vendredi 9 mars 2018

الحداثة أن نعيش زمننا بقيم زمننا الكونى. أساس هذه القيم هو الحرية

حوار ـ د . مصطفى عبد الوارث

الشاعر والناقد المغربى محمد بنيس يجيب عن السؤال: ماذا فعلت بالشعر يا صاحب «الحداثة المعطوبة»؟ بنيس: غابت المعرفة النقدية فخاض الشاعر العربى معركة الحرية وحيدا
ناقد ومنظر ومترجم و شاعر مغربى كبير، من أهم شعراء الحداثة ، له ستة عشر ديوانا. قدم للمكتبة العربية خمسة وثلاثين كتاباً، فى الأدب والفكر والثقافة.. يسهم بفاعلية في التعريف بالثقافة العربية على المستوى الدولى،مثقف له موقف .. الدكتور محمد بنيس ، لبى بأريحية إجراء هذا الحوار للأهرام ، طرحت عليه عددا من قضايا فقال – فيما قال - إن نقد الشعر شبه غائب، وإن النقد الأدبى فى مصر وغيرها بعد السبعينيات يشهد تراجعا .. وسواء أَتفقتَ معه أم اختلفت ، فإنه على قدر الاختلاف فى الرؤى يتحقق الثراء .

ــ فى البداية سألته: عنوان كتابك الأحدث النقدى الإبداعى «أندلس الشعراء» خروج على المألوف ، لماذا وما النتائج؟
فقال: خلال حوار مع صديقى الناشر الإيطالى جورجيو دوفوتو اقترح وضع أنطولوجيا للشعر الأندلسى، فأجبته: سأضع شيئاً مختلفاً هو «أندلس الشعراء». الشعر لعبة خطيرة ومسئولة فى آن. فالانتقال عن العنوان المتداول رؤية تصنعها الكلمات. لا أفعل ما فعله السابقون. أفضل أن أغامر. المغامرة سبيل التعلّم. من هنا وضعت الكتاب بطريقة جديدة تعتمد رؤيتى للشعر اليوم، مع اعتبار الوضعية المركبة للثقافة الأندلسية وخصوصيتها الشعرية؛ لذلك جمعت ما أبدع فيه الأندلسيون بين القصيدة والموشح والزجل، الشعراء والشاعرات، شعراء مسلمون وشاعران يهوديان. ألفت بين الشعر والنثر الذى يتوافر على خصيصة شعرية، وأضفت صورة قصيدة بصرية فريدة لأبى البقاء الرندى،ثم أعطيت مكانة للموسيقى الأندلسية، وقسمت الكتاب إلى أبواب عبارة عن ليلات تمثلها نصوص شعرية ونثرية، ووضعت مقدمة مطولة ألخص فيها نظرتى الثقافية للأندلس من خلال شعرائها. وأبرز الإبداعية التى تفردوا بها، وأثروا فى عموم الثقافة العربية، من مصر إلى العراق، ومنهما إلى إيران وما بعدها شرقاً، وإلى أوروبا الحديثة غرباً.
ــ كتبت «الحداثة المعطوبة» وتوصف بشاعر الحداثة.. ما الحداثة عندك وأين نحن منها؟
أجاب بنيس: الحداثة أن نعيش زمننا بقيم زمننا الكونى. أساس هذه القيم هو الحرية. فلا وجود للحداثة فى مكان لا حرية فيه أو فى أعمال لا حرية فيها. أقصد حرية التفكير والتعبير. هى حرية تترك الذاتية تنمو بدون قيود. وهى لذلك محمّلة بعواصف النقد، نقد الاستبداد، أكان سياسياً أم دينياً أم ثقافياً. وهذا النقد يفتتح أعالى الإبداع. مع الحداثة نكون فى علاقة نقدية مع أنفسنا كما مع الآخرين ومع الأشياء والكون. هى تسمح لى بأن أرى كيف تتجسد فى الشعر، كما يمكن أن أري؟ وكيف تتجسد فى الحياة السياسية والاجتماعية. نحن للأسف نفتقد الشروط الأولية للإقدام على تعريف جديد وموسع للحرية، لأن التعليم، الذى هو الأساس فى التكوين، أصبح متدنياً وخاضعاً لسياسات غير مسئولة.
ــ قال الشاعر الفرنسى برنار نويل إن ديوانك «هبة الفراغ» عمل تأسيسى. ماذا فعلت بالشعر وماذا أسست؟
ـ يجيب بنيس :أظن أن برنار نويل يقصد أننى فعلت بالشعر ما يفعله كل شاعر يعرف أن كتابة الشعر مسئولية. لم يكن عملى سهلاً، ولا محفوظاً فى كتاب. هو بحث شخصى تطلب سنوات من تعلّم الكتابة. لأننى كنت دائماً أتعلم وأنا واع بما أصبح عليه الشعر المغربى فى العصر الحديث، ومتتبع منذ شبابى الأول لجميع شعراء التحديث فى العالم العربى، وحريص على تعلم الشعر العربى القديم والثقافة العربية القديمة فى المشرق والمغرب والأندلس، وعلى رصد تفاصيل الحركة الشعرية الحديثة فى فرنسا باعتبار اللغة الفرنسية هى لغة الاستعمار فى جنوب المغرب، ثم رصد الحركات المختلفة فى ألمانيا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، عن طريق الفرنسية أو أحياناً فى ترجمات عربية. اتسعت القراءة لاحقاً، وفى كل مرة كنت أسأل فى الكتابة وأبحث فى الكتابة ولا أتوقف. كنت أسعى إلى التحرر شيئاً فشيئاً ممّن لست أنا، قبل أن أتعرف على كتابتى الشخصية، بإمضائها الشخصى. وأنا ما زلت أحس أننى دائم البحث. أسئلتى متعاظمة، ولا أطمئن إلى ما أكتب.
ــ سألت :تقول عن الشعر إن له أضلاعاً متعددة، ما المقصود؟
قال على البديهة: طبعاً للشعر أضلاع متعددة. فهو مثل البلور، يضيء من كل جانب. كلما نظرت إليه من ضلع ظهرت لك أضواء ذات ألوان وأشكال تختلف عما رأيت فى ضلع آخر. هذا يعنى أن للقصيدة معانى متعددة، لا تنتهى، قادرة على تجديد وجهة النظر. لكن إذا كانت القراءة تتم من خلال منهج فإنها تنتهى مهما استمرت، فيما القصيدة لا تنتهى لأن أضلاعها لا منتهية. وهذا ما يميز الأعمال الشعرية الكبرى التى لا تتوقف أضلاعها عن التعدد كلما أقبل عليها قارئ بوعى نظرى جديد ووجهة نظر مختلفة، تعتمد أحدث المعارف وأعمقها. ذلك هو سر القصيدة التى تتجدد اللغة بتجددها، هى دائماً هى نفسها ولا سواها، نهايتها ولانهايتها، أى حاضرها، المتجدد والمستمر فى آن.
ــ تحدثت فى تقديم «مساءلة الحداثة» عن رجّ الشعر الحديث للقديم، ما حدود هذا الرج؟ أ
أجاب بنيس: هو رجٌّ يمس الشكل الشعرى، بما هو إيقاع ولغة وفضاء، لكنه يمس، من خلال ذلك، الرؤية الفكرية التى يصدر عنها الشعراء القدماء عندما يتحولون إلى خصم، لا تسمح رؤيتهم بإبدال الرؤية إلى الحياة والموت، إلى الإنسان والأشياء، إلى الزمن والكون. الشاعر مسئول، بمعنى أن الشعر يسأله عما يفعله به. فهو يسهر على ما استلمه من السابقين ليسلمه إلى اللاحقين. السهر يعنى الرجّ، الذى هو الوعى بفعل الزمن فى الإنسان وفى حياته. ولا يكون الوعى بفعل الزمن ممكناً إلا بمعرفة الشعر والمعارف التى لها علاقة بالشعر فى زمننا، بما فيها العلوم الفيزيائية.
ــ قلت كيف ترى واقع النقد الأدبى فى مصر والمغرب العربى الآن؟
فأجاب: هذا العمل من صميم مفهومى للكتابة، كممارسة نصية متعددة. أما عن واقع النقد الأدبى فى العالم العربى، فهو يشهد بالإجمال تراجعاً من حيث المعرفة والدراسة. أهم الدراسات الأدبية اليوم تكاد تصدر فى المغرب العربى. أما إذا اقتصرت على نقد الشعر، الذى أتتبعه أكثر، فرأيى أن ما عرفناه فى مصر منذ الثلاثينيات مع طه حسين حتى الستينيات مع محمد النويهى والسبعينيات مع عزالدين إسماعيل، لم يعد موجوداً للأسف. ونلاحظ شبه غياب لنقد الشعر على المستوى العربى ككل. لا أدخل فى التفاصيل. لكن ثمة دراسات يمكن الالتفات إليها فى مجال الشعرية العربية، أوتجديد القراءة التى تركز على التفاعل بين الشعرى والفلسفى. النقد يصبح كشافاً عندما يواكب الحركة المعرفية والأعمال الشعرية، وتكون له الجرأة على الذهاب إلى أقصى ممكن فى القراءة.
ــ ألا يواكب النقد اليوم الإبداع الأدبى : وهل له دور مؤثر فى فتح الآفاق أمامه ؟
فبادرني: لا أريد الانجراف وراء أحكام. لدى ملاحظات فقط. عندما كنت شاباً كانت المؤلفات النقدية عن الشعر تصدر تباعاً، بين القاهرة وبيروت. كان كتاب جديد يصدر قبل أن أنتهى من قراءة كتاب صادر قبل شهور قليلة. وكان نقد الشعر حاضراً فى المجلات المصرية واللبنانية، تلك الحركة النقدية كان لها سلطة على الشاعر والقارئ والباحث . لا شيء من هذا يحصل اليوم. نقد الشعر، حتى الصحافى منه، غير موجود . فالقليل مما ينشر لا يفتح آفاقاً جديدة ولا يواكب ما يصدر، الشاعر العربى اليوم وحيد، وربما تخلى عن انتظار الناقد.
ــ قلت : لديك تأملات فى الواقع الثقافى العربى. ماذا يشغلك؟
ـ فأجاب بنيس :نعم، أتأمل باستمرار الواقع الثقافى العربى. هناك فى أغلب الدول العربية غياب تداول المعرفة النقدية والأعمال الإبداعية التى تكسر حاجز الممنوع. دخلنا،عربياً، زمن العولمة، بكل ما يحمله من استهانة بالثقافة وبالإبداع الأدبى والفنى. هو زمن لا مكان فيه للثقافة. ما يشغلنى أكثر، فى حياتنا الثقافية، هو كيف يمكن مقاومة هذا الزمن الوحشى متعدد الرءوس؟ حين نكون أمام هذا الوضع القاسى، لا نعود نعرف ما المبادرات الممكنة لاختراق قسوة الزمن. هناك أسئلة معلقة تخص حرية الرأى والتعبير، المشكلة الكبرى التى لا يزال المثقف العربى يعانى منها، وتتحدى طموح الثقافة العربية فى التحديث، ثم هناك أسئلة اللغة الفصحى، اللغات العربية المحلية، اللغة الأمازيغية ، اللغة الكردية، الكتابة بلغات أجنبية، تاريخ الأدب العربى الحديث، الترجمة، الحوار مع العالم. هذه عينة مما يشغلنى. أحس أنها أكبر منى ومن زمنى، وأنا أتساءل باستمرار: كيف أنتقل من زمنى إلى زمنى ؟
ــ سألت: تحدثت، فى التفاعل الثقافى العربى الأوروبى، عن الغزو المزدوج . فهل غزونا نحن أيضاً؟
ـ البحث العلمى ينطلق من التساؤل الذى يجعل الواقعة العلمية تنتج عن الغزو. والمعنى هنا استعارى مستقل عن المعنى اللغوى. لقد تعودنا، عبر تاريخنا الحديث، على نقد الذات أو نقد الآخر، بطريقة نفصل فيها بين الطرفين. والنقد المزدوج مقاربة تشدد على ضرورة العناية بنقد الذات والآخر فى آن. فلا مجال للفصل بينهما. فالثقافة العربية تحتاج إلى ممارسة نقدية فى الاتجاهين.
النقد المزدوج، بهذا المعنى، يتطلب معرفة عميقة بالثقافتين العربية والغربية على السواء، ومستجيبة لشروط الخطاب المعرفى الحديث ، ونحتاج إلى العمل مع جهات عربية ودولية، خاصة مع أفارقة وآسيويين. نحن، للأسف، ننكفئ على أنفسنا ولا نعرف العالم أو نتباكى عندما يغلق دوننا الأبواب. نحن بحاجة إلى قرع الأبواب، والعمل إلى جانب الذين يعملون بالوسائل التى لا بد من التوفر عليها لكى يكون ما نقوم به مؤثراً. أؤمن بأن ما نريد أن نقوم به ممكن إذا كان لدينا التصور والإرادة والعزيمة. التخلف اختيار. ولا سبيل مع اختياره إلى الكلام عن الغزو أو عن النقد المزدوج.
ــ قلت : دائماً تطرح الأسئلة، أين نجد الأجوبة ؟
فأجاب: للسؤال تاريخ فى حياتى، وجدت نفسى فى أواسط الستينيات. فى عز مراهقتى، قلقاً لعدم معرفتى بالثقافة المغربية. ما أدى إلى طرح أسئلة على نفسى، ثم على غيرى وعلى الثقافة والشعر فى المغرب. كانت أسئلة مزعجة، لأنى كنت على غير وفاق مع زمنى، وكانت علاقتى بالمعرفة المتداولة واهية. وعندما أخذت فى الاطلاع على الفلسفة تبيّن لى أنها مدرسة فى طرح الأسئلة وفى تعلم كيفية طرحها. فالسؤال عندما يكون بالمعنى الأصلى والكلى لما نسأل عنه يكون - كما يقول هيدجر- ذا سند فى التاريخ. وبهذا نجد طريقنا فى المستقبل، رغم أننا لا نكون بالضرورة سائرين على الطريق الصحيح. لكن لنحذر، هناك أسئلة يمكن العثور على أجوبة عنها فى زمننا، وأخرى لا يمكن. لذا علينا أن نفرق بين السؤال والجواب، ولا نشترط فى طرح السؤال وجوب العثور على جواب عنه، هنا والآن. من ثم فإن للسؤال أسبقية فى المعرفة، وهو الذى يدلنا على البحث عن الأجوبة، فى الزمن المفتوح على المستقبل.
ــ ذكرت فى كتابك «كتابة المحو»، أنه لا وطن لك غير الكتابة.هل تعكس العبارة أزمة وجودية؟ ـ
يجيب بنيس: أعتقد أن ملازمة الكتابة إلى حد اعتبارها وطناً هى تجربة يعيشها كل شاعر وكاتب يحس أنه يعيش فى زمن يهدد كتابته. «لا وطن لى غير الكتابة» عبارة مكثفة لها ما لا ينتهى من الدلالات. وقد عثرت عليها فى فترة كنت أشعر فيها أن كتابتى مهددة. وأعتبر هذه الشطحة من الواردات، المنيرات، فى زمن الحلكة وافتقاد البوصلة. بهذه الشطحة ومثيلاتها أستمر فى الكتابة، وأقاوم من أجل حريتها وأفقها المفتوح.
ــ قبل أسابيع قليلة صدرت لك مختارات شعرية فى القاهرة عن قصور الثقافة تحمل عنوان «ضوء العتمات». ماذا يعنى لك هذا الإصدار فى القاهرة ؟
ـ أجاب بنيس: أود أن أشكر أولاً كلا من صديقى سعيد الكفراوى على مبادرته باقتراح نشر هذه المختارات، والشاعر جرجس شكرى على ما بذله من أجل إصدارها. إنها، بالنسبة لى، تحية أقدرها ولها مكانة رمزية فى نفسى. وبدورى أحيى بها الشعراء والأدباء المصريين ممن عرفتهم وتكونت بيننا صداقة ومحبة مستمرة.
ــ سؤالى الأخير..ما من مثقف إلا له موقف.. ولك إشارات. كيف ترى المستقبل العربي؟
ـ يجيب بنيس: من معايير معرفة المستقبل النظر فى الواقع الحالى من خلال وضعية التعليم. هذه نقطة الانطلاق فى الوقوف على عتبة ما سنكون عليه بعد ثلاثين أو خمسين سنة. تعليم اليوم بوصلة لرصد تلك النقطة التى لا نريد أن نراها. تعليمنا متعدد الأعطاب، لا يهيئ تلميذ اليوم لاستيعاب زمنه القادم، تعليمنا يبعدنا أكثر فأكثر عن العالم : يبرر التهميش واللاعدل. وإلى هذا، نشاهد تراجع القراءة إجمالاً، وقراءة الكتاب المطبوع خاصة، مع اتساع تأثير الخطاب الدينى المغلق على النفوس والعقول؛ لذلك أعود وأتساءل: كيف يمكن أن تنتصر ثقافتنا على أعطابها ؟  

في رحلته نحو الخلود.. محمد بنيس: اخترت الثقافة والشعر اختارني

في 
رحلته نحو الخلود  
محمد بنيس: اخترت الثقافة والشعر اختارني


حوار  مع الشاعر

لجريدة "أخبار الأدب" المصرية
عائشة المراغي
مبدع لا يؤمن بالعفوية. علاقته بالشعر تبادلية، حيث اختار كلا منهما الآخر. التحق بكلية الآداب في فاس عام 1968 لينمي موهبته، لكنه اكتشف أن   التعليم الجامعي وحده لا يكفي، وأن عليه استكمال دراسته العليا والحصول على منصب جامعي يكفل له وضع اجتماعي وعائد مادي يمكنانه من التمتع بكامل حريته الفكرية، فانتقل من فاس إلى الرباط. ومنذ عام 1980 أصبح د.محمد بنيس أستاذا للشعر العربي بكلية الآداب في جامعة محمد الخامس.
ولد بنيس عام 1948، وبدأ رحلته مع الشعر في عمر المراهقة بين عامي 1962 و1963، فانتقل مباشرة من قراءة قصص الأطفال إلى اكتشاف الدواوين. وكانت خطوته الأولى مع ديوان "أغاني الحياة" لأبي القاسم الشابي. بعد ذلك تعرف على المتنبي ثم جبران خليل جبران، وشيئا فشيئا بدأت تتسع دائرة معارفه لتضم شعراء قدامى كالبحتري وأبو تمام والشعراء الجاهليين. ثم وصل للشعر المعاصر، وكان أول من تأثر به هو الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، يقول بنيس: "رافقت مراحل مرضه والقصائد التي كتبها. هكذا بدأت الدائرة تتسع وصرت أكتب. ولم أعد أعرف أين بدأت وإلى أين انتهيت".
أنا الأندلسيّ المقيم بين لذائذ الوصل
وحشرجات البين
أنا الظاهريّ
القرطبيّ
الهاجر لكل وزارةٍ وسلطان
انفتح بنيس على عالم الشعر في جميع أركان المعمورة. سواء باللغة العربية أو عن طريق اللغة الفرنسية. أثاره الشعر الألماني والفرنسي آنذاك. وخاصة نظرية "ت.س.إليوت". فمزج في الثقافة بين ما هو عربي وفرنسي وألماني وإنجليزي: "تأثرت كثيرا بإزرا باوند، لأن شعره مفتوح على الثقافة الكونية، وهذا شيء كان يثيرني جدا. وبطبيعة الحال كنت أتتبع التجارب الكبرى واقرأها بشغف مثل رامبو وبودلير ومالارميه والألماني هولدرلين، هؤلاء الكبار هم النموذج الشعري الذي فتح لي أفق لإعادة قراءة الشعر العربي سواء الجاهلي من خلال امرؤ القيس، أو طرفة بن العبد وأبو نواس والمتنبي وأبو تمام، ثم شيئا فشيئا الشعر الأندلسي. هذه هي المعارف التي أثرتني. لم أكن أعطي اعتبارا لما هو جغرافي أو وطني في الكتابة، ما يهمني هو العمل الفني أولا ثم تجربتي الداخلية وما أحسه شخصيا. فمن المهم أن يكون للشاعر لغته الخاصة وتجربته ورؤيته، بعد ذلك الطريق مفتوح".
وصل بنيس لقناعة داخلية بأن الشعر ليس فيه مراحل تاريخية وإنما تجارب، يتابع: "عندما تأثرت بتجربة امرؤ القيس لم أعتبرها جاهلية، تعاملت معها كأنها شعر اليوم، مع مراعاة أن طريقة الكتابة تعود إلى زمن قديم. أصبحت أشعر بأن كبار الشعراء في العالم كلهم آبائي وهذه عائلتي. لا أميز بين تاريخ وآخر، عهد قديم وحديث، شاعر تقليدي ومعاصر. المعيار هو القوة الشعرية والتجربة. وألا يكون هؤلاء الشعراء قدامى وظلوا كذلك. وإنما يجب أن يكونوا في المستقبل أيضا، وتخترق قوة شعرهم الأزمنة. من هنا كان حبي لهؤلاء الشعراء الذين أسميتهم الكبار، وهكذا أصبحوا أساتذتي".
يؤمن بنيس بالقوة التي تخترق الزمن في كل شيء وليس الشعر فقط، لذلك أول ما يفكر فيه كلما أتى إلى مصر أن يزور الأهرامات ويذهب عند النيل، ليلقي التحية على بناة هذا الأثر العظيم والخالد حتى الآن رغم مرور كل هذه السنوات، وفي كل مرة يتساءل: "كم زمن يمكن أن تبقى؟ فنحن سنفنى والأهرامات باقية هنا".
بالقرب من النيل، وداخل المدينة التي تحتضن الخلود، حضر بنيس وكان لنا معه هذا اللقاء:
تشغلك الحضارات وآثارها الخالدة التي تخترق الزمن. هل هذا سبب الحضور الطاغي لمدينة فاس في كتاباتك؟
فاس هي مدينتي التي تربيت فيها ودرست وعشت ما يقرب من 24 عاما حتى غادرتها عام 1972. لكنها أيضا مدينة قديمة جدا. بنيت عام 182 هجريا. بل يمكن أن نعتبرها أقدم مدينة موجودة في العالم حتى اليوم كبنية. فعندما نأتي للقاهرة يمكن أن نذهب إلى خان الخليلي أو السيدة زينب، أما مدينة فاس فبأكملها قائمة وموجودة الآن كما كانت قبل عشرة قرون. هذا شيء مدهش. لقد تعلمت فيها فن العمارة العظيمة، ثم الفنون والثقافة، والقيم الاجتماعية والأخلاقية والتذوق الفني. لكن علاقتي بها كعلاقتي بالشعر، لا أعتبرها قادمة من الماضي، فأنا ليس لدي حنين العودة له. وهي ليست علاقة رومانسية، لا أعود إليها لأتذكر حبيبة أعشقها أو غير ذلك. وإنما تطرح عليّ أسئلة: ما معني هذه المدينة اليوم في عالم متغير؟ ما معنى فاس في عالم توجد فيه نيويورك أو طوكيو؟ وما علاقتها بهم؟ أنا أطرح هذا السؤال على نفسي وعلى نيويورك، لأنه في زمن فاس لم تكن هناك أمريكا ولم تكن تعرف الصين أو اليابان، لهذا تسحرني كثيرا، لأنها قوية ومسكونة بطبقات من التاريخ والتجارب الفكرية وغيره.
أتذكر أن جمال الغيطاني أتى عام 1979 إلى مدينة فاس وتجولنا فيها. في تلك الزيارة جاءته فكرة كتابة عمله الكبير "التجليات". وكل من يزور فاس بهذا العمق الفكري يكتشف أنها مكان كبير يثير المبدعين في شتى النواحي، سواء كانوا موسيقيين أو رسامين أو مفكرين أو فلاسفة كبار. أما أنا فأترك نفسي حرا في علاقتي بالمكان، لأنه شيء قوي جدا بالنسبة لي. لذلك عندما أذهب إلى النيل، أقضي ساعات طويلة جالسا أمامه. لا أتكلم ولا أفعل شيء. فقط أجلس وأشاهد تلك الأبدية التي توجد فيه. ومثله الأهرامات، فهما يتكاملان. بعد ذلك أذهب إلى خان الخليلي والقلعة وغيرها، لأرى تلك التجسدات عبر التاريخ. وألتقي بالناس واستمتع بأشياء شعبية بسيطة جدا. وأحاول الربط بين هذا الماضي العميق والحياة اليومية للناس المصريين. هذا ما يهمني في المكان.
لا تميل لتقسيم الشعر إلى مراحل تاريخية لكن هناك تقسيمات أخرى كالفصحى والعامية التي أحيانا تصاحبها نظرة مغايرة ودونية. ما رأيك؟
الطريقة التي ينظر بها الرأي العام للشعر وأنواعه شيء معتاد في كل الثقافات ويجب ألا نُفاجئ. فالقصيدة التي كتبها كبار الشعراء العرب في المشرق، أتى الأندلسيون بعدها بنموذج آخر هو الموشحات، ثم جاء الزجل. هذان النموذجان أتيا من الأندلس والمغرب إلى مصر ومنها إلى العراق وسوريا ثم انتشرا. آنذاك لم يعد المتنبي هو الشاعر الكبير، بل شعراء هذا العصر هم من صاروا كبارا في تلك المرحلة. كذلك حينما يقال أن الشعر الشعبي أقل قيمة فهذا معيار عام يستند أحيانا إلى أن ثقافة الشعر الشعبي لا ترقى إلى معرفة شعرية أوسع وأكبر. ولكن هذا في بعض الحالات وليس دائما، لأن هناك شعراء يكتبون بلغة عامية راقية جدا ولهم أفق شعري واسع.
هذه الوضعية موجودة في بعض الثقافات ويمكن أن نتعلم منها ونرى كيف تعيش تلك التجارب نفس الأوضاع التي نعيشها اليوم. لكنها في أوروبا ليست كما هي في العالم العربي. لا توجد إلا على الهامش في دول مثل إيطاليا (المحكيات الإيطالية) والهند. بينما يصعب أن نجد ذلك في فرنسا أو أسبانيا بنفس القوة، لأن القصائد الشعرية تتكون مع نماذج الشعوب والدول. ففي أسبانيا، كانت الكتابة بغير اللغة القشتالية ممنوعة، ومن يفعل ذلك يحاكم، حيث كانت اللغة بمستوى العقيدة الدينية. أما نحن فلا، دائما ما كان هناك شعراء باللغة العربية الفصحى وآخرين بالعامية على امتداد التاريخ، ولم نسمع في يوم من الأيام بأن شاعرا شاميا أو يكتب باللغة العامية منع لذلك. بل الأكثر من هذا؛ لدينا شعراء كبار ابتداء من القرنين الثاني والثالث عشر يكتبون بالعامية والفصحى معا، مثل شوشتري، فهو شاعر صوفي كبير كانت له تجربة مدهشة، يكتب بالعامية وبالفصحى، وشعره فيهما معا متساو.
تمردت على الشعر التقليدي واتجهت للحداثة. لماذا؟
لابد أن أفرق أولا بين التقليدي والقديم، لأن هناك من يخلط بينهما ولكنهما ليسا نفس الشيء. فالتقليدي تعني فقط التقليد، بمجرد أن يبدأ الكاتب في القصيدة يستمر حتى يتوقف. هذه البداهة لا أؤمن بها في الشعر. كما أن الأشكال الشعرية لها أزمنتها، لا يمكن لشكل شعري مضى عليه ألف سنة أن يبقى دائما هو النموذج الذي يمكن أن نكتب به اليوم، لأن التجربة الشعرية تغيرت ويجب أن تكون هي المصدر في الكتابة. أما العنصر الآخر والأهم بالنسبة لي فيكمن في الذات الشخصية، لأن الشاعر الحقيقي هو ذلك الذي يخلق نموذجه الخاص، سواء في اللغة أو الصورة أو البناء أو التركيب أو الإيقاع. أحيانا يكون غريبا أو مستعصيا أو سهلا أو مرفوضا، ليس هذا المهم، وإنما المهم هو إخلاصه فيما يفعل، وهذا هو عمق التاريخ. عندما نقرأ للمتنبي نجد الشعر العربي في كل أعماله ولكننا نجد أيضا المتنبي، هو الذي يعطي معنى لهذا التاريخ. فالشعر العربي يحتاج دائما لشعراء يعيدوا خلقه من جديد ككل. والتجربة العربية، وأحيانا الإنسانية، يتم استخلاصها من خلال الكتابات الشخصية. هذه هي النماذج الشعرية العليا، لكنها نادرة في جميع اللغات.
لا تؤمن بالبداهة والعفوية. فماذا عن الموهبة؟
الموهبة مثل إعلان الميلاد لطفل رضيع، عليه أن يكبر في ظل ثقافة تبدأ من اليوم الأول. لذلك لا أؤمن بالموهبة وحدها، فهي لا تعطي شيئا. وإنما مثل جذوة تتقد في لحظة، إذا لم يتم الانتباه لها ستخبو ثم تنتطفئ وتنتهي، ويكون مستحيلا أن تستمر. فهي فقط استعداد، وعلى صاحبها تحديد مصيرها. هذا ما حدث في جميع الثقافات. حتى الشعراء الذين نظن أنهم عفويون، لا أحد منهم يعتمد على الموهبة وحدها. قد تكون قوية أو ضعيفة لكنها بمفردها لا يمكن أن تصنع شيء. وهذا ينطبق على جميع الفنون بلا استثناء، لأن هناك عمل حقيقي ودراسة وتكوين. وهذا ما فهمته منذ البداية، أن عليّ التعلم بجدية، وأن هناك أسئلة كبرى لابد أن أبحث فيها ولا أخاف منها. رغم أنها أحيانا تشكل كابوسا لا يفارقني، لكن هذا – بالنسبة لي – هو العمل الشعري والإبداعي.
في رأيك؛ ما أزمة الحركة الشعرية في الوطن العربي؟
إننا لازلنا نفكر أن الشعر لا يوجد إلا في المشرق. أنا لا يهمني جنسية الشاعر، وإنما العمل الشعري. لذلك لكي نكون "عارفين بالشعر" علينا أن نطلع على ما يكتب في أي مكان. فالعالم يسير ونحن نظن أننا وحدنا فيه، ولا أحد يريد أن يرى شعرا خارج الحدود. إذا عدنا للثلاثينيات من القرن الماضي سنجد أن طه حسين كتب عن الشعر السعودي، لأنه كان منفتحا. لماذا ننتقل من زمن الانفتاح إلى زمن الرؤية الثابتة الجامدة؟ فالناقد الكبير ليس هو من يعرف الكثير من المدارس والمصطلحات، وإنما من يملك القدرة على اكتشاف الشعراء الكبار حتى وهم شباب. لكن المؤسسة الثقافية في معظم المناطق العربية لا تستوعب الزمن الثقافي، لذلك لا أفاجئ إذا رأيت أننا فشلنا في حركة التحديث بالعالم العربي كله، وأن الذي يسيطر على العقول هو العقل الإسلامي. الدين هو الذي يسيطر، أما الثقافة والأدب والفنون فليس لها مكان. حتى الذين يعملون في المجال الثقافي آفاقهم محدودة جدا ولم تتفتح أعينهم بعد على الثقافة الكونية. لذلك أعتز جدا بجمال الغيطاني وغيره من أصدقائي بمصر كعبد المنعم رمضان وسعيد الكفراوي ومحمد عفيفي مطر، هؤلاء أعتبرهم كبار لأنهم استوعبوا زمنهم الثقافي ولم يظلوا منغلقين في نماذج.
ذلك يعني أن الحداثة أيضا تعاني من أزمة كبرى؟
التحديث الثقافي في العالم العربي لحد الساعة لم يصبح في المركز، وإنما في الهامش. لكي نلتقي بالعالم وننفتح عليه، لابد أن تكون لهذه الثقافة مكان في المركز وأن تبدأ من المدرسة. إذا لم نربط بين الثقافة والتعليم فلن نصل إلى بناء نموذج مواطن حديث، ومنفتح، على نفسه أولا وعلى غيره، وعلى الأفكار والعالم. فللأسف أيضا؛ التعليم إلى الآن يهيمن عليه الفكر الديني الذي لن يسمح لنا على الإطلاق بأن نكون منفتحين على العالم. لأن دائما هناك عقلية منغلقة هي التي تجعل هذا الفكر أحادي وليس متعدد الأبعاد. ولن يصبح كذلك إلا إذا تداخلت معه الثقافة بجميع فروعها، فنون وفلسفة وتاريخ وجغرافيا وأنثروبولوجيا. حينها يمكن أن نتحدث عن مواطن حديث يعرف مكانته في المجتمع وحقوقه وكيف يتصرف مع العالم الجديد الذي يعيش فيه. فالعالم الآن يعيش تحولات خطيرة جدا، والزمن السياسي الذي نعيشه اليوم هو زمن محافظ، يتخلى عن مكتسبات عصور الأنوار التي كافحت الإنسانية من أجل الوصول إليها. والذي انتصر في العقول والأفكار والأذواق – حتى وإن لم ينتصر في السلطة – هو الفكر المنغلق الذي يلغي نهائيا كل ما له علاقة بالعرب والعروبة والثقافة العربية من أجل استنبات نموذج لا تاريخي اسمه النموذج الإسلامي، الذي لم نعرفه في التاريخ العربي سواء في المشرق أو المغرب. الآن هذا النموذج – للأسف – هو الذي يسيطر، حتى وإن اعتقدنا أنه لم يعد له وجود سياسيا، لكن الأخطر من ذلك هو وجوده في وجدان المجتمع وفي العقلية والمنظور، لذلك تراجعت الثقافة العربية وفكرة الحداثة. وبالتالي تراجعت فكرة الحرية ولم يعد لها هذا المكان المركزي الذي كان هو المطلب الأساسي لجميع الشعوب العربية عندما قامت ضد الاستعمار منذ العشرينيات من القرن الماضي، واستمر لخمسين عام، إلى أن وصل لمرحلة انتكاسات تبعها ما نحن عليه اليوم.
هل تلك الانتكاسات هي السبب الحقيقي لأزمة العالم العربي؟
المشكلة اليوم ليست هذه الانتكاسات أو الإخفاق الذي تعيشه فكرة الحرية، ولكن الأخطر أنه لم يعد هناك من ينصت إلى الكلام عن الحرية أو الديمقراطية أو الثقافة بصفة عامة. لهذا اختتمت مقالاتي التي جمعتها في كتاب "يحرثون الحرية" عن الربيع العربي والمراحل التي تلت هذا الحدث الكبير الذي عاشته المنطقة العربية من المغرب إلى المشرق، بما سميته "في الهواء الطلق". ففي القرن السابع عشر كان بعض الإصلاحيين البرتغاليين يرون أن هناك فسادا في الحياة البرتغالية ولكنهم لم يعرفوا لمن يتوجهون بالكلام، فنشأ أدب سُمى بـ"رسالة إلى السمك"، حيث كان هؤلاء الناس يصعدون فوق الجبل عند البحر الأطلسي ويقرأون رسالة، ليس للناس وإنما للسمك فقط. ولأنني أعرف أن كثير من المناطق العربية لا يوجد بها بحر، تكلمت مع الهواء الطلق. أعرف أن لا أحد سيسمع ما أقول لكني سأكتبه وأنشره.
بعد نحو ست سنوات من إصداركم لـ"بيان الديمقراطية". هل تحقق ما أردتم؟
نحن مجموعة من المثقفين لا ننتمي لأحزاب أو مؤسسات ثقافية، ما جمع بيننا فقط هو العمل الثقافي الذي نقوم به وإحساسنا الجماعي بأننا نلتقي في المبادئ الكبرى وندافع عنها. أردنا أن نعبر عن وجهة نظرنا في كتابة الدستور الجديد عام 2011، والمبادئ التي يجب أن يسير عليها. لم نكن نتكلم كقوة سياسية ضاغطة بقدر ما أردنا أن نوجه رسالة تعني أننا مهتمون بالشأن الوطني والعام، ومتشبثون بمبادئ تأتي في مقدمتها الديمقراطية والحرية، فهما الموجهان للمستقبل. وقد تحقق بعض مما كنا ندعو إليه في الصيغة الجديدة للدستور المغربي، سواء من ناحية تحديد الصلاحيات أو تعيين المكتسبات. فهذا الدستور الجديد يعتبر متقدما جدا بالمقارنة مع الدساتير التي كانت موجودة من قبل، حيث قدم للمغاربة إمكانية للتصالح مع أنفسهم وحل الخلافات بينهم بطريقة سلمية. ليرسموا أفق اجتماعي منفتح على جميع الفئات والقضايا، ويصبح صوت الشعب حاضرا في الاختيارات الكبرى للدولة وفي التوجهات العامة. فالعمل الذي قمنا به رمزي وكان له مفعوله بشكل هادئ، لكنه سيبقى دائما مطلبا مفتوحا، لأن الديمقراطية ليست نهائية وإنما في حالة سيرورة دائمة.
هل مازال هناك ما تطمح إليه ولم تحققه بعد؟
أنا لا يهمني شيء ولا أطلب أي شيء. اعتبر أنني اخترت الثقافة واختارني الشعر من أجل أشياء عميقة. ليس من أجل امتياز أو تصفيق أو مناصب أو أي شيء. فكلها لا تعنيني على الإطلاق، ولذلك لن تجديني في أي منها. فأنا لا أتنازل، وأقول ما أفكر فيه بصوت عال، لأنني أعتبر نفسي حفيد الكبار من طه حسين والمتنبي وغيرهما، بطريقتي الشخصية، لا أقلد أحدا ولا أدعي أنني أفضل. ولكن من حسن حظي وما سعدت به كثيرا أنني عشت في زمنهم ورافقتهم، سواء العرب أو الأجانب والأوروبين. تعلمت منهم وخالطتهم في تفاصيل الحياة اليومية والكتابة والأفكار، وفي النشر والمهرجانات. كل هذه الأشياء أتعلم منها وتجعلني أتمسك أكثر باختياراتي التي يجب أن أسير عليها.
عملت بالتدريس وأصبحت أستاذا جامعيا لتنال الحرية كاملة. ألا تؤثر أفكارك على عملك إن لم تروق للبعض؟
هذا غير موجود بالمغرب، الأستاذ الجامعي لا يمكن حدوث هذا معه على الإطلاق. لا أحد في يوم من الأيام قال لي حرفا واحدا. نحن في المغرب لدينا تقاليد راسخة بأن كيفية تدريس الأستاذ هو اختياره الشخصي وشيء علني. وأظن أن هذا الازدهار الذي تعرفه الثقافة المغربية يرجع إلى كون حرية التعبير متوفرة بشكل عام وجيد. فأنا لا أعرف مثقفا مغربيا يعاني من المنع في التعبير. حتى بعض النماذج التي تعرضت في الثمانينيات والتسعينيات كانت لها ظروف خاصة واعتبارات بعيدة عن القانون الذي نعمل به. فكل من يكتب له مسئولية علمية وأخلاقية يعمل وفقا لها ولا أحد يجادله فيها. كما أنني حيث لا أشعر بالحرية ابتعد.
قلت عن نوبل من قبل أنها جائزة سياسية. هل مازالت رؤيتك قائمة؟ خاصة بعد فوز بوب ديلا بهام عام 2016.
نعم؛ في السنوات الأخيرة صارت نوبل جائزة سياسية. ولهذا منحت لأسماء ليست هي النماذج العليا في الأدب الموجود الآن بالعالم. وللأسف العرب هم ضحايا هذا التوجه السياسي. لأن الجائزة لا تعطى للشخص وحده وإنما لثقافة ولغة. وأتمنى في المستقبل أن يتم تجاوز ذلك التوجه الذي ساد منذ سنوات. أما بوب ديلان؛ فأنا كنت أحبه في السبعينيات، وهو مغنٍ كبير، لكني لم أقتنع بهذه الجائزة، أعتبر هذا غير مصيب. خاصة أن الأدب في العالم حاليا مهدد، ومن الأجدى لهذه الجوائز – وفي مقدمتها نوبل – أن تدعم مكانته في حياتنا، لكنها لم تبقى وفية للمبادئ التي انشأت لها.
ما موقع الجوائز بالنسبة لك؟
لم أتقدم في حياتي لأي جائزة رغم أني حصلت على العديد. لأنني أؤمن بأن الجائزة لا يتقدم إليها الكاتب، وإنما تلك مسألة تهم المؤسسات التي تمنح الجائزة.
ما الجديد المنتظر عندك خلال هذه الفترة؟
لدي ورشة عمل. فأنا دائما لا أشتغل على عمل واحد وإنما أعمال متعددة. هذه الأيام تصدر أعمالي النثرية في خمسة مجلدات، تضم أغلب ما كتبته نثريا منذ 1981 حتى اليوم. وهناك "أندلس الشعراء" الذي عملت عليه لسنوات طويلة، وهو أنطولوجيا من نوع خاص جدا عن الأندلس من خلال شعرائها وكتابها رجالا ونساء وبتعدد، أتمنى أن يصدر هذا العام، حيث أحببت له أن يكون في طباعة تليق بالأندلس. هناك أيضا ديوان "كتاب الحب" الذي يصدر هذه الأيام بالإسبانية بعد 3 دواوين صدرت هناك. وديوان "هبة الفراغ" الذي سيصدر في تركيا. كما سيصدر ديوان "الهايكو" باليابانية والعربية والفرنسية في طوكيو، لأنني تم اختياري مؤخرا مستشارا شرفيا للمركز العالمي للشعر في طوكيو، وبهذه المناسبة الجمعية العالمية للهايكو 

يهيئون هذا العمل بقصائد الهايكو التي أنشرها فقط باليابانية. وفي مصر؛ هناك ديوان مختارات شعرية سيصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.  

محمد بنيـــس في الثنيّات اللاّنهَائـيّة للكَلام عدد مجلة أوربا الفرنسية عن "أدب المغرب"



محمد بنيـــس

في الثنيّات اللاّنهَائـيّة للكَلام 


الحوار الافتتاحي لعدد مجلة أوربا الفرنسية عن "أدب المغرب" عدد مزدوج 1015ـ 1016، نوفمبرـ دجنبر 2013  ترجمه محمد بنيس إلى اللغة العربية
  

حوار أجراه جاك آنصي *

الجزء الأول 


ج. آنصي : من أجل أن نتطرق لشعرك، لا بد من الحديث عن فاس. فاس أصل العالم، فاس الطفولة. ألا يمكن، بالنسبة إليك، أن تكون القصيدة في البدء مدينة ؟
م. بنيس : لا يُمكن للقصيدة أن تأتيَ إلا من الكلام الذي يخترق الجسد. والمكان، مهما كان، ينادي على الكلام، الذي يحوّله الشاعر إلى نشيد في القصيدة. بهذا المعنى، يبدو لي أنّني من بين الذين تركوا القصيدة تنصت إلى أصوات المدينة. وهي، بالنسبة إلي، فاس. إنها مدينة الميلاد. لكنها، قبل كل شيء، مدينة الأطياف. وهذه الأشباح تعود دائماً، في زيارات متتالية، صحبة كلماتها.
في المرحلة الأولى من شبابي، كان الزمن علامةً على الانتماء للعالم. وقد تعلّمت، وأنا مأخوذ بهذه الفكرة عن الزمن، أن أرى العالم الذي أنتسب إليه، من خلال الأزمنة الحديثة، التي لم تكن شيئاً آخر غير الزمن الغربي. فأن أكون حديثاً، في تلك المرحلة، التي تلت استقلال المغرب، وباعتبار حداثة سني، كان يعني أن أرتبط بالعالم الخارجي الذي كان ينقصنا. بلدي، الذي كان يعيش آنذاك في عصور وسطى، مظلمة ويحكمها الخراب، كان يطمح إلى زمن يأتي من الخارج، أروبا، ومن فرنسا تحديداً.
لكن للقصيدة أسرارَها. كان عليّ أن أتعلّم كيف أصبحُ في صلة مع الكلام الشعري. إنها قصة تعلّم طويل واجهتْه موانع. وهذا المسار العجيب، الذي ليس سحرياً ولا أسطورياً، دلّني على بُعد آخر للوجود. المكان. لقد وجّهتني القصيدة نحو مكان يشرط حياتنا (وموتنا). يتعلقُ الأمر، هنا، بالشعر العربي الجاهلي، وبمُعلّمنا امرئ القيْس (توفي نحو 525 ميلادية). مكان الغائبين (الحبيبة)، في هذا الشعر، هو مفتتح القصيدة. يبدأ امرؤ القيس معلقته باستدعاء المكان مباشرة بعد الغائب :
فقَا نبْكِ من ذكْرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقْط اللّوى بين الدَّخول فحوْملِ
نداء للوقوف في مكان ملموس، محدد، مكان الحبيبة، الغائبة. نداء (أو أمْر) موجّهٌ من المكان إلى الكلام. من هُناك تبدأ كلمة الشاعر. مكان واقعي لغائبة لا تشبه الآخرين. والأمر بالوقوف مسبوقٌ بالنداء على الدموع، التي تعلن عن حالة العيْن وهي مشرفة على العمَى. مع ذلك، فإن استدعاء المكان (أو الدموع) لا صلة له بالحنين. إنه، أولاً، إنصاتٌ بما هو تجلٍّ استعاري للجسد. ولذا يمكن لي أن أقول إن الزمان يجعلنا نرى والمكان يحيلنا على الإنصات. هو ذا إذن مسارٌ مرسومٌ لننصت إلى مدينة، هي فاس. وإذا كانت القصيدة مدينة، فهي إما أن تكون إنصاتاً أوْ لا تكون. على أن الإنصات إلى فاس تمرّسٌ على التقاط أصوات هذه المدينة، أقصد التقاط الإسرافِ في الأصوات التي تصطدم بها الأزمنة، زمناً بعد زمن. لقد كان الإنصات إلى أصوات فاس العتبةَ الأولى، التي تظل أولى على الدوام، لقصيدتي. وآخر ديوان لي تُرجم إلى الفرنسية، ورقة البهاء ، محاولة للمحافظة على حياة هذه الأصوات. إنها لا تفارقني إلا لكي تعود. لذلك أقول إن فاس، بالنسبة إلي، هي مكان المنسيّ، الممنوع، مكان الغياب، الفقدان، والفراغ. أليس الإنصات شطحاً أيضاً ؟
ج. آنصي : ثمة في جوابك شيئان بودي لو نطوّرهُما. علاقتك، في البداية، بالتقاليد الشعرية وبالحداثة. تتكلّم عن امرئ القيس والشعر العربي الجاهلي، في الأول، ثم أروبا، وفرنسا تحديداً، في الثاني. هل يُمكن أن تكلمنا أكثر عن الشعر الجاهلي، نحن، الغربيين، الذين لا نعرف شيئاً في هذا الميدان، وبعد ذلك تكلمنا قليلا عن علاقتك بالحداثة الأروبية، والفرنسية.
م. بنيس : الشعر العربي الجاهلي هو منبعُنا الشعري الأول، تراثنا المشترك. وهو يمثل للعرب ما يمثله الشعر اليوناني للغربيين، بل إن له مكانة أعلَى في ثقافتنا، لأنه شهادة على الجودة الشعرية. لقد جعل العرب من الشعر الجاهلي نشيدهم ومستودعَ علومهم في آن. لم يكن لدينا، في العصر الجاهلي، فلاسفة على غرار اليونان أو الأسيويين. كان لدينا هذا النشيد الذي كان يرافق الرُّحّلَ في رحلاتهم نحو أقاصي الصحراء. وبالتالي، كانت اللغة الشعرية تتمتع بوضعية الامتياز. لكنّ مظهرَها الجماعي لم يمنع الأنا، ضمير المتكلم المفرد، من الكلام. أناً تتغير أضلاعُها من شاعر لآخر. وقوة هذه اللغة الشعرية واستثنائيتها هما اللذان جعَلا معجزة نبي الإسلام هي القرآن، هذا الكتاب الذي جاء وحْياً منزّلا داخل اللغة، حتى يتحدّى الشعراء عن أن يأتوا بسورة واحدة تشبه سُوَره، وبرهن على استحالة تقليده.
من أغرب قراءات هذه الشعر في فرنسا أذكر قراءة الفيلسوف ألن باديو Alain Badiou في كتابه الموجز في علم اللاّجمال . أصف هذه الدراسة بالغرابة لا لأنها تخرق عادة نسيان الشعر الجاهلي من طرف الفرنسيين فقط، بل لأنها تجرؤ، إضافة إلى ذلك، على أن تضع مقارنة بين معلقة الشاعر الجاهلي لبيد بن أبي ربيعة (ولد نحو 560 ميلادية، وتوفي نحو 661 ميلادية) وقصيدة رمية نرد لملارمي. لنقرأ مقطعاً من الكتاب بهذا الشأن : " يجب، في نظري، أن نقترح على الفكر خطوة إلى الوراء، خطوة نحو ما يوجد من صلة بين ملارمي والمعلقة الجاهلية، أعني الصحراء، المحيط، الخلاء، الفراق، المرور عبر صورة الشيخ. لا الشيخ الشهيد ولا المبعوث ."
يكفي هذا الاستشهاد لنرى أن الشعر الجاهلي (والشعر العربي عامة) ليس مجرد مادة متحفية، يتم الاحتفاظ بها والانبهار أمامها، وإنما هو شعر ذو طاقة لا تنفد، ويعمل على التقريب بين الثقافات المتوسطية، الواحدة والأخرى. شعر يستحق أن نستكشفه كلما كنّا مستعدّين للانطلاق نحو الأقاصي.

( 1. Feuille de la splendeur, traduction de Mounir Serhani revue par
Bernard Noël en collaboration avec l’auteur, Cadastre8zéro, 2010.

2. Petit manuel d’inesthétique, Coll. L’ordre philosophique, Seuil, 1998.

3. Op. cit., p.86. )

أما عن علاقتي بالحداثة الغربية، الأروبية (والفرنسية) أو الأمريكية، فأتوقف عند نقاط مرجعية. كنت أحلم منذ طفولتي بأن أذهب، مثل الأطفال الآخرين الغربيين، إلى المدرسة، والمسرح، والسنيما، والأوبرا، والمكتبات، والمتاحف، والملاعب الرياضية. وما كان يترجم هذا الحلم، في شبابي، هو تعطشي للثقافة الحديثة. لقد كنتُ على يقين بأن تعلّم هذه الثقافة سيقدم لي فرصةَ لتقاسُم الحياة مع "النفوس الحرة" (نيتشه). و انخرطتُ، دون تردّد، في الحداثة، في أدبها، وفي فكرها وفنها. لكن المُضيّ نحوَ هذه الحداثة لم يكنْ أمراً ميْسوراً. لقد كان، قبل كل شيء، صراعاً لا هوادةَ فيه ضد قيم الهيْمنة في مُجتمعي، وصراعاً ضد ما يمنعُه عنّي الغربُ في علاقتي المباشرة بالحداثة. صراعٌ مزدوج. تُجاه نفسي وتُجاه الآخر المُهيْمن. ثم عثرت في الشعر على معنى الحرية الكامل. لهذا أظل وفياً للشعر.
كانت هذه الحداثة تعلمني ما هي الروح المبدعة، وكيف أنتقل من الخضوع إلى الحرية. هنا يكمن معنى الإبداعية. إبداعية تبطل الممنوعات وتنمّي الحسَّ النقدي. هكذا كنت أتقفّى، وأنا أختار الحداثة، خُطى الكتّاب العرب الكبار، الذين اختاروا ثقافة الحداثة والحرية. فهؤلاء الكُتاب، شعراء وروائيين ومؤلفين، نجحوا في تحديث اللغة العربية، وفي إعادة قراءة الثقافة العربية القديمة، كما نجحوا في نشر القيم التي تخيف المستبدّين المحلّيين.
ومقابل ذلك، يتطلب اختيار الحداثة، أي قيمَ قصيدة ومُجتمع، تصعيد حدة اليقظة بدلا من تقليصهَا. أنْ نكون حديثين لا يعني، في جميع الأحوال، أن نصبحَ غربيّـين. على الحداثة، في رأيي، أن تكون اختراعاً غايتُها أن تبقى اختراعاً على الدوام. فليس بوُسعي أن أتنكّر لاختلافي وأختزلهُ إلى الصفر. يفترض الاختيار أن نشترك مع الآخرين في مسؤولية اختراع حداثة متعددة، حداثة متحركة. وبفضل ثقافتي ولغتي يمكن لهذه المشاركة في حداثة متحركة أن تصبح ممكنة. والمعنى الإبداعي لعبارة "العيش المشترك"، بقيم مُشتركة، يتمثلُ في حرية النقد، الذي تبقى الحداثة بدونه اسماً مرادفاً لإخضاع العالم لنزعة أوروـ لاتينية.
إن الحداثة الفرنسية (وفكرها تحديداً) ساعدتني على الوعي بالمخاطر التي يُواجهها شرقيٌّ مثلي. فالشعراء الفرنسيون الحديثون (ويمثل الشاعر بودلير أباهم الرمزي) مزدوجو اللغة. لقد أدخلوا، من خلال ازدواجية اللغة لديهم، قسطاً من لغة الآخر إلى النزعة الديكارتية، العقلانية، للغتهم الشخصية، على نحو ما كتب ملارمي فيCrise de vers (أزمة البيت الشعري) : "أن نستعملها [لغة الآخر] ككل ونهديها إلى اللغة أيضاً."
إنه الدرس الذي أستخلصه بالدرجة الأولى من هذه الحداثة. فتحديث اللغة العربية هو أوّلُ ما يجب أن نبدأ به، من غير تنازل، في ثقافتي. لغتي العربية يتحكم فيها الواحدُ، الأحدُ، الواضحُ، الظاهرُ، الباطنُ، الأولُ والآخر. ومسؤوليتي تجاهها تتمثل في عمل يهدفُ إلى تحديثها عبر استقبال الغريب، بدلاً من هجرانها. فعندما أهجر لغتي، العربية، أفتح الطريق أمام الأصوليين الذين يُصادرونها ويحكمون عليها بالخضوع لعُنف الظلامية. إن عمل كل كاتب عربي حديث لانهائي تجاه اللغة، ما دامت الذاتية لانهائية. هكذا تحررتُ من الفرنكوفونية، ودافعتُ عن انفتاح الثقافة العربية على الثقافة الفرنسية. وتمثل الترجمات التي أنجزها، من الفرنسية إلى العربية، أحد مظاهر اشتغالي على تحديث العربية.
ج. آنصي : هل يمكن أن تذكر لنا أسماء شعراء وكتاب تحس بقربك منهم وساهموا في تحديث اللغة العربية وإعادة الاعتبار لهذه الثقافة القديمة ؟
م. بنيس : أنا سليل هؤلاء المجددين للغة العربية، شعراء، ومفكرين، وروائيين، ومترجمين، ونقاد أدب وصحافيين. عائلة رمزية تتكوّنُ من كُتّاب من الشرق الأوسط، وهم الممهدون، وإلى جانبهم كُتّاب من بلاد المغرب العربي، نجحوا لاحقاً في حفر أثرهم على لغتنا الحديثة. لن أكون منصفاً ولا أميناً إن أنا ذكرت بعضاً منهم. ولذا سأقتصر على ذكر الأشهر من بينهم : طه حسين، جبران خليل جبران، توفيق الحكيم، مصطفى لطفي المنفلوطي، أبو القاسم الشابي، نجيب محفوظ، محمود المسعدي، عبد المجيد بنجلون، بدر شاكر السياب، أدونيس، يوسف إدريس، الطيب صالح، إميل حبيبي، سعدي يوسف، محمود درويش، جمال الغيطاني، صنع الله إبراهيم، محمد شكري، سعد الله ونوس، محمد زفزاف، واسيني الأعرج، سليم بركات، إلياس خوري، وقاسم حداد. شعراء وروائيون تربطني مع معظمهم علاقات ألفة. وهم يمثلون بلاداً وأجناساً أدبية مختلفة. بعض من أعمالهم مترجم إلى عدة لغات. وأنا سعيد بأني كنت معاصراً لبعض كبار الكتاب. فبفضل قراءة أعمال هؤلاء المؤلفين أو بفضل لحظات الحياة التي تقاسمتها مع معاصرين لي من بينهم، تمكنتُ أكثر من تأكيد اختيار أن أتبع طريق الحرية، بما هي حرية الحداثة بامتياز. ومن المؤسف أن أعمال بعض هؤلاء المؤلفين ليس دائماً معترفاً بها في العالم العربي، وهي بالتالي ملغاة من برامج التعليم كما من السياسات الثقافية.
ج. آنصي : تتكلّم عن الأصوليين والظلاميين الذين يترصدون اللغة العربية عندما نهجرها. كل لغة مهددة بمثل هذا الخطر، لكنها ربما كانت مهددة على نحو أكبر، في بلاد اللغة العربية، حيث الديني ضاغط بقوة. أليست الكتابة، من وجهة النظر هذه، فعْلاً سياسياً ؟
م. بنيس : إنها بالأحْرى التزام تجاه الحداثة. إنني أخْشَى أوصافاً تختزل الوقائع عندما يتعلق الأمر بمراحل انقلابات جذرية في تاريخ ثقافات وشعوب. يمكننا القول أيضاً إن الكتابة فعلُ مقاومة. فعلٌ يبلور سياسة الحداثة، التي يبْنيها الكتّاب بكل تُؤدة. إنه فعل مفتوحٌ لسببين : فهو، من جهة، يستقبل اللغات الأخرى والثقافات الأخرى في اللغة العربية. من هنا فإن الكاتب العربي مطالبٌ بأن يعيد الحياة إلى العربية حتى يستحقَّ ميراث ثقافة قائمة على الحرية والمغامرة. على أن الميراث، من جهة أخرى، لن يكون له معنى إن هو لم يكن موجّهاً نحو المُستقبل، نحو الحوار مع اليومي، مع لغات أخرى وثقافات أخرى. إن هذا العمل الخلاّق لكتابنا الحديثين ليس شيئاً آخر غير ما كان يطالب به دانتي في أبياته الشهيرة في الكوميديا الإلهية :" هكذا من الغُصن المكسور كان يخرج معاً / كلماتٌ ودمٌ : وأنا تركت الغصن/ يسقط، وبقيتُ هناكَ، يتملّكُني الخوف ." أما الأصوليون، الذين يمنعون على العربية أن تكون حية، مرحة، وراقصة، فهم في الوقت نفسه ألدّ أعداء الثقافة العربية القديمة. من لا يتركُ لغة الحياة اليومية تتكلم في (وعلى) لسانه هو الذي يُنكر الماضي، يُصادره، حتى يتركه كسيحاً في وحَل الجهل. فالكلام عن سياسة الحداثة له إذن معنى أوسع من الكلام عن السياسة بالمعنى الضيق. إن سياسة الحداثة مقاربة نقدية للكلمات والقيم التي تتعارض مع حرية اختيار ذاتيةٍ واختيار مصير.
ج. آنصي : تتكلّم، في بعض نصوصك، عن حالة الاحتضار التي توجد فيها اللغة العربية حالياً في المغرب. ديوانك نهر بين جنازتين (المترجم قبل سنوات إلى الفرنسية) هو بحد ذاته، وفي معنى من المعاني، كتابة لمشهد هذه الوضعية التي تشغل بالك كثيراً.

( 4. L’enfer, XIII, V.V 43-45. )

. بنيس : العربية لغة جسدي. لا أتعامل معها بما هي لغة تعبير ولا بما هي أداة إيديولوجية، مهما كانت هذه الإيديولوجيا. عندما أدخل إلى إدارة عمومية، مثل البريد، وأتحدث إلى الموظف بالعربية لأطلب منه طابعاً بريدياً ثم يجيبني بالفرنسية، أشعر باهتزاز يرجّ جسدي، بجَفاف في الحلق، وبضيْق في القفص الصدري. هنا تكون الكلمات، كلماتي، ممنوعة من الهواء، تختنق في تلك اللحظة. حبسة تشلّني. إن مكتب البريد فضاء عمومي من بين فضاءات أخرى. وهذا الهجران للعربية، الذي ورثناه عن الاستعمار وأصبح رسمياً، بعد الاستقلال، تبعاً لما يُسمّى الازدواجية اللغوية، يكذّبُ الخطابات الرسمية التي لا تتوقفُ عن الكذب وتجعلنا نعتقد أن العربية لغتنا. فوضعية كهذه، تمنع الجسد من نفسه، لا يمكن أن تتركني مُحايداً. إنها الوجهُ الآخر للأصولية التي تذكرنا على الدوام بالمظهر الديني للغة العربية. والإسلاميون، الذين نجد الناطقين باسمهم فرنكوفونيين، يعطون لأنفسهم حقَّ الكلام باسم العربية. لكنها العربية الميتة التي يتعلمونها. فهم لم يسبق لهم أن أبدعوا كلمة جديدة واحدة أو تعبيراً جديداً.
وباعتباري شاعراً، تمثل اللغة، بالنسبة إلي، النفَسَ الذي بدونه يتوقف الجسد عن الحياة. عملي موجّهٌ نحو ديمومة اللغة. إن الشعر منبعُ هذه اللغة الحية، نارُها وقوّتها. ومشهد حالة الاحتضار هذا في نهر بين جنازتين طريقة لكي أعيد التفكير، شعرياً، في الحياة والموت. كل منهما يلتصقُ بجلدي. أليسَ مأساوياً بالنسبة لمن يعمل على الانفتاح على لغات أخرى أن يكونَ ممنوعاً من لغته الشخصية ؟ مشهد حالة الاحتضار هذا يتأسس، من جهة أخرى، على نقد مزدوج (لنتذكّرْ مفهوم "النقد المزدوج" لعبد الكبير الخطيبي) ما دام يتوجه إلى الفرنكوفونية بقدر ما يتوجه إلى الإسلاموية. وحتى أكون واضحاً بهذا الشأن، أشيرُ إلى عبارة شخصية كتبتها من قبل، تفيد بأنه من المستعجل تحرير الفرنسية من الفرنكوفونية. ثم إن كتابة مشهد احتضار العربية لا يسيءُ لا إلى لغات أخرى ولا إلى شخص بعيْنه. إنه، بدءاً، علامةٌ على المقاومة. وأعلمُ أنها مقاومة لا تتخطّى عتبة القصيدة.
ج. آنصي : ما دمت تتكلم عن هذا الديوان الجميل نهر بين جنازتين، الذي عنوانه صريح ـ الحياة وسط الموت ـ بودي لو أقرأ مقطعاً يعلن، بالقوة الخاصة للغة الشعرية، ما قلته الآن : " أهبطُ // في الدم ذاته وفي الجنازة يفدُون لكلّ شاعر متاهةٌ كأن النهرَ لفظٌ شعْشعانيٌّ وهتفتُ اتّسعْ فما على غيْريَ ضاقَ ولا عليّ أحْسستُ حنجُرتي خلاءً كلَّ حرف من حروفي صلْصلةً مسقوفة بالدّمع وهذا النهرُ يتّسعُ في المجهول". كلمة "شعشعاني"، هذه الصورة، أجدها كما لو أن الماضي كله والمستقبلَ كله مشدودان هناك في شعشعة اللغة، لغة القصيدة التي تصنع الحاضر، تضعنا في الحاضر وتنفتح، هناك، على المجهول...
م. بنيس : كلما أقرأ قصيدة أساسية، بالعربية أو بلغات أخرى، أحسّ أن قوة اللغة الشعرية لا مثيل لها. إنها قوة غير ناتجة عن استعمال مفاهيم، مهما كانت. هي قوة تولدُ من مكان سابق على اللغات المختلفة، بما فيها اللغة الفلسفية أو العلمية، ولاحقة عليها. هذه القوة تُحيّرني. غالباً ما يحدث لي أن أشكّ في الشعر وفي وضعيته في إنتاج المعنى. عالمنا الراهن يُضاعف شكوك الشاعر، أعني الشكوك التي لا أخشى مواجهتهَا. شيء آخر غريب : لا تقودُنا القصيدةُ بدورها نحوَ جواب، بل نحو هذه القوة التي تتحققُ ثم تؤدّي بنا إلى أن نصبحَ، بها ومعها، مفقودين في هذه الصحراء التي لا حدود لها. أتساءل : هل نحن بحاجة إلى أجوبة، أو، بعبارة أخرى، إلى السكينة في الحياة ؟ لضرورة كهذه طبيعة تربوية وتعليمية. فهي تبرر الأديان، التي يتوقف وجودها على الوعد بحياة ثانية بعد الموت؛ أو تبرر الإيديولوجيات التي تبشر بالسعادة حتى يؤمن الناس بطاقتها السحرية.
إن النهر، بما هو لفظٌ "شعشعاني" هو مكان القصيدة ـ المكان الذي يحمل القصيدة. والقصيدةُ تفتحه، توسّعه. كلٌّ منهما يتعلق في وجوده بالآخر. وكل منهما يحمل الآخر إلى حدوده، التي هي المجهول نفسه. لا يمكن أن أنتظر من القصيدة، سواء بالنسبة إلى نفسي أو إلى سواي، غير هذا الانفتاح، هذا الاتساع. ليكن واسعاً. هذا ما يمكن أن نطلبه من نهر يجْري في الحاضر ويعمل على أن يدوم الحاضر. يحتفظ للحاضر بزمان الحاضر. بهذه الشعشعة تظل القصيدة حديثة، دائماً حديثة. وهي، بهذا، تشهد على سياسة الحداثة.
ج. آنصي : لنتوقفْ قليلاً عند سياسة الحداثة التي تطرقنا للتوّ إليْها. كيف تنظر إلى السيرورات الثقافية والسياسة الحالية في العالم العربي ؟
م. بنيس : ثورة الشبان، التي نعرفها منذ انطلاقتها باسم "الثورة العربية" أو "الربيع العربي"، تعبير عن رفض قطعي لأنظمة مُستبدّة وقمعية. فهي تمثل، بالنسبة إلي، صرخة شبيبة لم تعد تقبل حالة الحقد والتهميش التي تسيطر على حياتها. شبيبة تطالب بالحق في الحرية. وهذا يدل على تعلقي بدولة أساسها الحق والقانون، وتعلّقي بالحداثة، التي تتكامل فيها الحرية والعدالة والديمقراطية. ويأتي خطاب هذه الشبيبة من طموح عميق للمجتمعات العربية. كما أنه يهدم، علاوة على ذلك، رؤية الغربِ السلبية التي يخص بها مجتمعاتنا.
لقد تمّ، مع الثورة، توقيع عقد (أو هو الآن قيد التوقيع) بين السلطة والشعب من خلال دساتير جديدة. وتحققت على أرض الواقع انتخابات حرة ونزيهة. لكن النتيجة أعطت الفوز بالسلطة للإسلاميين، الذين يمثلون الأغلبية في الشمال الإفريقي (بل وحتى في البلدان الأخرى للشرق الأوسط). وتبرهن هذا النتيجة على أن ثورة الشبان وُلدت في الساحات العمومية من قوة غير منظمة، فيما الانتخابات اختيار يمرّ عبر صناديق الاقتراع، ويتبع منطق المجموعات الاجتماعية المنظمة. فالإسلاميون، الذين كانوا ضحايا (أو الأقل حظوة) من طرف الأنظمة القائمة، أصبحوا يتحكمون في اللعبة. وقد صاروا كذلك لا بفضل القمع وحده بل أيضاً بفضل خبرتهم وتنظيمهم وسط الفئات المهمشة والفئات الوسطى في المدن. شخصياً، لم أفاجأ. إن كُلاًّ من الغرب والأنظمة العربية مسؤولون عن صعود الإسلاميين بقدر ما هو اليسار المحلي مسؤول. فهل هي سخرية التاريخ أن نشاهدَ هذه النهاية المأساوية التي آلت إليها ثورة الشبيبة العربية ؟ أم هي الصخرة التي تتحطم عليها الثورات كلُّها عبر التاريخ ؟
يبدو من الضروري، وقبل أن أتقدم في التحليل، أن أؤكد على وضعيتنا المعقدة للغاية. علينا أن نتجنب هذه الخطابات التي تحرص على الخلط بين المسلمين والإسلاميين، بين الإسلام والأصولية. أقصد من وراء هذا الخطابَ الاستشراقيَّ (خطابَ المختصين الغربيين) عن العقلية، عن الشخصية، عن الدين والثقافة الإسلامية. إن طبيعة المسلمين والعرب، حسب هذا الخطاب، متعارضة مع الديمقراطية. لقد كان المسلمون والعرب، حسب هذا الخطاب، مستسلمين للقدر، عبر جميع مراحل تاريخهم، ومحافظين. هذه الخطابات الاستشراقية، التحقيرية، التي تدين بدون تحفظ كل ما هو إسلامي (أو عربي)، تغذّي مُتخيّلاً غربياً مريضاَ بجهله ومريضاً بحقده أيضاً. إنه لذو دلالة أن يبقى أكبر شعرائنا، ومفكرينا وعلمائنا مجهولين في الغرب. إن أنا كنت سليلَ عائلة رمزية من الكتاب العرب الحديثين، مسلمين ومسيحيين بدون أي تمييز، فأنا أيضاً سليلُ هؤلاء المسلمين وهؤلاء العرب الذين استضافوا الفلسفة اليونانية وساهموا في تطويرها في وقت كانت الفلسفة ملعونة من طرف الغربيين. لقد اخترع المسلمون والعرب الجبر، وهم أساتذة في المنطق والتنجيم، أطباء، علماء، ومتصوفون كبار، والباعثون على الحداثة الشعرية، والأدبية والفنية في أروبا.
عندما نفكر خارج الخطاب الاستشراقي، وبمعزل عن مناصريه في الخطابات السياسية والإعلامية، نكون قد خطونا نحو قراءة أكثر موضوعية للأحداث التي يعيشها العالم العربي اليوم. إن وصول الإسلاميين إلى الحكم هو نتيجة، في المقام الأول، لسياسة التعليم المتبعة منذ بداية الاستقلالات، لارتياب الأنظمة السياسية في الثقافة العربية الحديثة، لزمننا أو للأزمنة الأقدم. لقد جعلت أنظمتنا من التعليم والثقافة وسيلة لإعادة إنتاج الجهل والعبودية. أذكر أنظمتنا من غير أن أنسى دورَ الغرب، الذي كان يساند هذه الأنظمة دفاعاً عن مصالحه واستدامة هيمنته. وها هي نتيجة ما وصلنا إليه ! فاز الإسلاميون بالانتخابات التي مرت في أجواء من الحرية والشفافية. وهي نتيجة قد تصيب بالإحباط جميع الذين كانوا يحلمون بحياة في مستوى تضحيات أجيال عديدة. وهي تنبهنا على أن الديمقراطية لم تكتمل. تتطلب الديمقراطية طاقة جديدة من الفكر، حتى لا تسقط في فخّ اللعبة السياسية والإعلامية.
ثم إن الإسلاميين في تونس والمغرب، يستلهمون النموذج التركي. إنهم معتدلون، حسب التوصيف الذي يخصهم به الغرب، في الولايات المتحدة وأروبا. وهو ما يعني أن مصالح الغرب (وقيمه الأساسية) لن تتعرض لسوء. ثمة احتمال كبير في أن يشهد الاقتصاد انتعاشاً (رغم أنه تابع للاقتصاد الأروبي الذي يجتاز أزمة ليست ظرفية)، وأن تصبح العدالة الاجتماعية قريبة المنال. اندفاعة لن تعترض تأكيداً لا على العولمة ولا على الفرنكفونية، لا شيء ينبئ بخلاف ذلك.
ما يبدو لي واضحاً هو أن هؤلاء الفاعلين السياسيين الجدد لن يبوئوا المرأة المكانة التي تستحقها، لن يمكنوها من حق المساواة مع الرجل. كما أنهم لن يتنازلوا في المجال الثقافي، الذي لا يهم الغرب بالضرورة. إن مصطلح "الحداثة" أصبح عُرضة للهجوم. ومن الإشارات الدالة أنني لا يمكن أن أصمّ أذني عن سماع صرخة الاختناق التي أخذت تطلقها نساؤنا وثقافتنا. إن الإسلاميين خصوم عنيدون للحداثة. فهي، بالنسبة إليهم، تعني التغريب الذي يهدد العقيدة الإسلامية. وحشيٌّ هذا الاختناق، وكاذبة هذه المبررات.
لا شك أن الثقافة العربية لم تستقبلها الأنظمة السابقة. نظرت أنظمتنا نظرة ريبة وتوجس إلى الأعمال التي اختارت نقد القيم. أدبٌ بكامله يعتمد جمالية المعارضة، بعبارة يوري لوتمان، وجد نفسه مُبعَداً. وستُصبحُ الحداثة، من الآن فصاعداً، منفية أكثر فأكثر : كُتباً، مسرحاً، موسيقى، وفنوناً تشكيلية. سيكون مآل الثقافة العربية الحديثة أصعب مما كان عليه من قبل. هنا، تبدو اللغة العربية مجالاً واضحاً للصراعات. أحس جسدَها يبرد. ووجهَها يشْحُب. وأنفاسَها تتـقطع. ولست من الذي يعتقدون في إمكانية وجود مقاومة جماعية، منظمة. ما الذي بوسْعي أن أقول ؟ الصوتُ الذي أسمع هو صوت التداخلات الثقافية، صوت كتاب وفنانين، تعلّموا كيف ينجزون، فردياً، أعمالهم بكل هدوء وتواضع، على هامش أي مؤسسة. إن الهاوية التي تنتظرنا جميعاً، تنفتح أمامنا. هذا الإسلام الشعبوي، اللاتاريخي، الذي يزحف مظفراً، سيكون له مريدون أوفر عدداً. والكاتب العربي سيكون معرضاً لوحدة أكثر من السابق. خوف، نعم، خوف يكتسح معنى الكلمات ومعنى الحياة. لذلك، لا يمكن أن نكون دائماً على وفاق مع أكبر ناقد للاستشراق، إدوارد سعيد، عندما يكتب في مقدمة كتابه L’Islam dans les médias (الإسلام في وسائل الإعلام) (طبعة 1997) : " من غير المعقول ألاّ نبيّن أنه في الصراع الذي يتواجه فيه الإسلاميون مع الغالبية العظمى من المسلمين فإن الأولين هم الخاسرون إلى حد بعيد ."
ج. آنصي : لنعد إلى القصيدة. النقطة الثانية التي أجدها في جوابك هي علاقتك بالإنصات، الذي يظهر لي أساسياً. لا نتوقف عن أن نقول، منذ حوالي قرن، إن الشعر صورة، وبالتالي نظرة. "يجب أن نتحول إلى رائين" كما نردد مع رامبو ثم مع السرياليين من بعده، دون أن نفهمهم حقاَ. يبدو لي، من جهتي، أن الرؤية، في القصيدة، هي الإنصات. الإنصات يرى. وما يراه الإنصات، يراه في اللغة. لقد برهن ابن ميمون، الفيلسوف اليهودي، أن رؤى الأنبياء تولد من الإنصات إلى اللغة، وبتحديد أكثر، من الإنصات إلى الدَّوال. وغالباً ما أقول إن القصيدة، بالنسبة إلي، فضاء تأمل ــ فضاء أعمل فيه على الإفراغ (إفراغ الأنا وما يضغط عليها من أثقال)، من أجل شيء ما، صوت ومعه عالم، يمكن أن يتحقّقَ في هذا الفضاء الذي أصبح فارغاً. هذا نفس ما تقوله أنت الآخر بطريقتك الخاصة.
م. بنيس : ثقافتنا المتوسطية تتجاوب وتتكامل، دون أن تكون لدينا دائماً إمكانية للقبض على شساعة هذه التجاوبات أو هذا التكامل. لنترك جانباً، ولو لحين، هذا القسطَ المعتمَ الذي يتطلب مراجعة معنى ما تسمّيه أروبا بالحداثة. لقد كانت لنا، لك ولي، لحظات من الحوار من خلال قصائد، ومن خلال لقاءت وقراءات مشتركة مع أصدقائنا الأقرب منا، مثل برنار نويل، أنطونيو غامونيدا وهنري ميشونيك. وقد تبادلنا كتبنا، علماً أن ما تُرجمَ من كتبي إلى الفرنسية قليل. فالحوار الذي قمنا به، بحرية وانفتاح، يساعدنا على أن نفهم بعضنا بعضاً، ضمن الاحترام المتبادل للتقاليد الثقافية التي يحملها كل واحد منا.
تأمُّلك في الإنصات والنظر قريب مني. ويتطلّبُ، من طرفي، توضيحاً أكثر. إن تأثيرات الإنصات على رؤى الأنبياء، التي تكلم عنها ابن ميمون، تنسحب على الإسلام مثلما تنسحب على اليهودية والمسيحية أيضاً. إن ابن ميمون (1138 ـ 1204) أندلسي من قرطبة في عهدها الإسلامي. فهو عارف جيد بالإسلام وثقافته. لكني أتكلم عن الشعر الجاهلي، عن شاعر وعن تقليد شعري سابق على الإسلام. وهذا يعني أنني أستمدّ ثقافة الإنصات من هذا الشعر. ولم يقم الوحي الإسلامي إلاّ بإبدال ناقل الخطاب، الذي أصبح في الإسلام هو جبريل، فيما كان هو الجن لدى الشعراء العرب الجاهليين. هذا هو مصدر الحيرة التي أصابت العرب وهم يسمعون القرآن. ودون أن يفهموا الفرق بين الملاك جبريل وبين الجن، اتهموا النبي محمداً بكونه شاعراً من بين الشعراء. اتهام خطير، من وجهة نظر دينية، لم يصمت عنه القرآن. لقد رد القرآن على هذه التهمة في عدة سور، منها : " وما علمناه الشعر وما ينبغي له" (يس، الآية 69)، "ويقولون أينّا تاركون آلهتنا لشاعر مجنون" (الصافات، الآية 36)، " إنه لقولُ رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تومنون" (الحاقة، الآيتان 40 و 41).
ليس ابن ميمون شاعراً، والتقليد الشعري اليهودي لا يُسعفه في الاستشهاد بشعراء سابقين على الديانة اليهودية ومناهجهم، لأنهم غير موجودين (راجع كتاب A big Jewich book). أما مع الثقافة العربية، فنحن في بُعد وثني. لقد انتشرت اللغة العربية قبل نزول القرآن. وهي موجودة مع الشعر الجاهلي. إنها

لغة الشعراء قبل أن تكون لغة النبي محمد أو جاءت مع الدين الإسلامي. هذه الميزة تقرّبُ العرب من اليونانيين الذين غيّروا دينهم دون أن يغيّروا لغتهم. فاللغة مستودع اللامرئي. "من يغير لغته يغيّر لامرئيَّه"، كما كتب هيدجر في كتاب لا أتذكر عنوانه للأسف. وإذا لم يكن هناك فرق بين الإنصات والرؤية فإن الإنصات يخيف والرؤية تقدم المأساوي لنظرتنا. وأضيف إلى ذلك أن المتصوف المسلم يستقي (في شعره ونثره) من الشعر الجاهلي، مع الاحترام الكامل للعقيدة الإسلامية. وهو ما يبرهن عليه، تمثيلا لا حصْراً، شعرُ ابن عربي الأندلسي (1165 ـ 1240). فالكتابة، بالنسبة إلى المتصوف العربي، إملاءٌ يتسلمهُ، بجلاء، من الآخر، الأعلى. يطيع المتصوف الأمر بكتابة ما يُؤمَرُ بكتابته. ويرى خلال هذا الإملاء ما تعطيه إيّاه الكتابة أن يراه. أمّا صوتُ جسدي، فهو صوتٌ واحدٌ ومتعددٌ. صوتُ الإحساس والشعور، صوت العالم المحسوس، العالم الوحيد الموجود، بالنسبة إلي. يمتد الصوت في القصيدة. إنه صوتٌ يخيف.

صوتٌ سديمي. تصبح فيه الأقوال صوراً (استعارات) للمحسوس. أنصت بأذني الثالثة وأرى بعيني الثالثة. ما لا يُسمع وما لا يُرى يلتقيان، جنباً إلى جنب، في ما تعجزُ القصيدة عن
قوْله.

( 5. Traduction française, sindbad, Paris, 2011, p-p. 30-31.

6. Edited by Jerome Rothenberg with Harris Lenowitz and
Doria, Anchor books, Anchor Press/ Doubleday, Garden city, New York, 1978. )

ج. آنصي : هذه الطريقة قريبة من الطريقة الصوفية التي تستدعيها كلمة "الشطح" التي أنت تستعملها. لكنها صوفية لا شأن لها بالديني ـ صوفية دون إله. وهو ما تذكره، من جهة أخرى، بإتقان عندما تقول إنك تنصتُ "إلى العالم المحسوس، العالم الوحيد الموجود، بالنسبة [لك]". قد تكون ثمة صلة بين التجربة الشعرية والتجربة الصوفية، وقد يعود الفرق بينهما إلى طبيعة التجربة قبل أن يعود إلى درجتها. ما رأيك ؟
م. بنيس : اختراق حدود الإنصات نحو الرؤية علامة على الدخول في الشطح. وهنا نصل إلى عجز اللغة، لحد أنها تتركنا وحيدين، ضائعين. لنكن منتبهين إلى الحدود التي لا يمكن تخطيها. يتقاطع الصوفي مع الشاعر، فتجربتهما ولغتهما تتشابهان. والصلة بينهما جلية. لكنّ كل واحد منهما يواصل مساره الخاص به. وما يجعل الإنصات يختلف عن الرؤية، وما يفصل بينهما، هو المعنى تحديداً. إن شطح المتصوف هو شطح الإثبات بيـنما الشطح الذي أعيشه مأخوذ بالمحو. اختلاف من حيث الطبيعة لا أتخلى عن مراقبته. هبة الفراغ، عنوان أحد دواويني المترجمة إلى الفرنسية، هو تجربة المحو، الذي يبدّد الواحد، الأحد. يحث المحو على استئناف الرحيل، في الرحيل الذي لا ينتهي. من هنا فإن صلتي بالتصوف إبداعية، في مغرب مسكون، عبر القرون، بكلام المتصوفة وموسيقاهم.
ج. آنصي : الإثبات والمحو هما، كما تقول، ما يفرق معنى مسار التصوف عن مسار الشاعر. لكن أليس أولُ عمل يقوم به المتصوف هو أن يمحو نفسه، أن يخرج من ذاته، من العالم ومن لغة العقيدة، بل أن يخرج من المعلوم تحديداً، مما يمكن أن يكون مثبتاً، للدخول في أرض المجهول، أرض ما لا يُسمّى التي يشع فيها ضوء الحب ؟ فعْلُ المتصوف، من وجهة النظر هذه، لا يختلف كثيراً عن فعل الشاعر...
م. بنيس : ثمة بالفعل نقاط متعددة يلتقي فيها الشاعر مع المتصوف، كما قلت قبل قليل. كل واحد منهما يعرف الغوايات والمخاطر التي يفرضها الآخر عليه. غير أن الفعلَ الأكبرَ الذي يقوم به الشاعر، بعد لقائه مع المتصوف (أو أثناء هذا اللقاء) هو اتباع طريقه الشخصي. وهو ما يتطلب يقظة دائمة، مُراقبةً للحدود (التي لا سبيل إلى إلغائها)، مراقبة انغلاقها وانفتاحها، حتى لا يفقد الكلام الشعري أرضيته الخاصة ويصبح ملغى. علينا أن نلاحظ هذا الاختلاف، مهما بدَا ضئيلاً، بين فعل "محا" و"محا نفسه". إن نحن تكلمنا عن الإسلام فسأقول إن نقطة انطلاق المتصوف هو إثبات وجود الله، ووحدانية الله، الدائم الحضور، والإيمان بسره. هذا الإثبات يقود المتصوف إلى محو نفسه، والفناء في العبودية الإرادية لله، وفي كلمته وأوامره. أقتصر على ذكر متصوفيْن إسلامييْن من المقام الأعلى : الحسين بن منصور الحلاج (ولد عام 857 وقتل عام 922) وابن عربي. أستشهد بقصيدة للحلاج، جاء فيها :
عجبتُ منكَ ومنّي
يا مُنيةَ المُتمنّي
أدْنيْتني منكَ حتّى
ظننتُ أنكَ أنّي
وغبتُ في الوجْد حتّى
أفْنيتني بك عنّي
يا نعْمتي في حياتي
وراحتي بعدَ دفْني
ما لي بغيْرك أنسٌ
إذْ كنتَ خوفي وأمْني
يا منْ رياضُ معانيـ
ـهِ قد حوتْ كلَّ فنِّ
وإنْ تمنّيْتُ شيْئاً
فأنتَ كلُّ التمنّي
إن التقاربَ في الوجْد بين "الأنا" و"الأنت" علامة على محو "الأنا" التي لا تدركُ نفسها إلا في "الأنت". وبفعل المحو يُسمَحُ للمتصوف بالدخول إلى "الرياض" (بستان المعرفة، الطواسين، ص. 94.) يستعمل الحلاج هنا كلمة "رياض" (في الجمع) مضافة إلى "معانيه". والمقصود بها رياض المعاني الإلهية التي احتضن فيها الحلاج "كل فن" (المعارف). والدخول إلى رياض المعاني الإلهية عبور من المعلوم إلى المجهول. فيما احتضان "كل فن" يعني أن الحجاب والمعرفة متصلان، لدى الحلاج، بالتسمية الإلهية، وبها حدها. وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن معرفة المتصوف تأتي من الله وتذهب نحو الله.

( 7. ديوان الحلاج، أعده وقدم له عبده وازن، دار الجديد، بيروت، 1998، ص. 94.)




*
 نشرت المجلة الأدبية الفرنسية  بباريس، هذا الحوار الذي افتتحت به ملفاً خاصاً عن "أدب المغرب"، في عددها المزدوج 1015ـ 1016، نوفمبرـ    دجنبر 2013. وترجمه إلى العربية محمد بنيس. 

الجزء الثاني

ج. آنصي : كل شيء يأتي من الله وكل شيء يذهب نحو الله. نعم. لكن لدينا هنا إثبات الإلهي، وهو انفتاح. ألا يفترض هذا الانفتاح رفضاً للفقهي، المغلق ؟ أقرأ في شعر الحلاج :
كفرتُ بدين الله والكفرُ واجبٌ
لديّ وعندَ المُسلمين قبيحُ
لقد أحرقْنا في أروبا بأقل من هذا السبب!
م. بنيس : ترجمة هذا البيت من طرف سامي علي (إلى الفرنسية) أدق (وأكثر شعرية) من ترجمة ماسينيون. وما يهمّنا هنا هو تصوّر الديني لدى الحلاج، الذي نعثر عليه في هذه الأبيات الثلاثة :
تفكّرتُ في الأديان جداً مُحقّقاً
فألفيْتها أصْلاً لهُ شُعبٌ جمّا
فلا تطْلُبنّ للمرْءِ ديناً فإنهُ
يصدُّ عن الوصْلِ الوثيق وإنّما
يُطالبُهُ أصْلٌ يُعبّرُ عندهُ
جميعُ المعالي والمعاني فيفْهمَا
كلمة croyances في ترجمة ماسينيون الحرفية أصلها في العربية هو الأديان. والحلاج، المتصوف العالم، وضع نظرية للدين، حتى يتحرر من انغلاق العقل الفقهي، في الأديان الإبراهيمية الثلاثة، اليهودية، المسيحية والإسلام. في هذا الأفق، لا يؤمن الحلاج بالدين من أجل أن يفهم الإلهي بعد أن يفتحَ إثباته على الأساسي، إثبات وجود الله ووحدانيته. ويأخذ الله هنا معنى متعدداً. إنه "الأساس الذي يعبّر عن جميع المعاني العليا." نعم ، التحرر من الدين. لكن من أجل بلوغ الإلهي في مخلوقاته كلها. لذلك، فإن التحرر من الدين ليس إنكاراً لوجود الله. الانفتاح، إذن، لا يتنافى مع إثبات انغلاق. "ما رأيتُ شيئاً إلاّ ورأيتُ الله فيه ." كما يقول الحلاج.
ج. آنصي : وماذا عن ابن عربي ؟
م. بنيس : يقدم لنا ابن عربي مبدأ الإثبات نفسه، وينص على أن أصله في القرآن : "فجميعُ ما نتكلم فيه في مَجالسي وتصانيفي إنما هُو من حضْرة القرآن وخزائنه ." إنه إثبات علوَ كلام الله والاختيار الإرادي للعبودية والامّحاء (الفناء) فيه "فما أحلّه اللهُ ورسوله أحْللناه، وما حرّمه اللهُ ورسوله حرّمناه." الإثبات ومحو الذات شرطان أوليان لعقيدة يخضع لها الصوفي حتى يعْبُرَ من المعلوم إلى المجهول. لا يرى الصوفي إلا ما هو مسموح له برؤيته ولا ينصت إلا إلى ما هو مُطالبٌ برؤيته : "لا بد للعين، يعلق شودكيفيتش، من أجل أن تخضع للشرع، أن تتجنب النظر إلى الأشياء الممنوعة أو المكروهة وعليها أن تتجنب، بالإجمال، النظر إلى كل ما يفْـتنها"، و"على السمع أن يرفض الاستماع إلى النميمة، والكذب، والكفر، أو المحرم ." وهذا ما يفسر كون "القرآن لا يفتح خزائنه إلا لمن يطبقون الشرع الذي فرضه الله، فلا كشف بدون عبودية ." أما الشاعر فبعكس ذلك. إنه يرى ما تعطيه العينُ أن يراه ويسمع ما تعطيه الأذن أن يسمعه، دون أن يثبت ما وراءً أو أن يطبق قانوناً خارج قانون القصيدة. "لم يكنْ ليحدُثَ سوَى مكان الأنْ يحدثَ" كما كتب ملارمي في رمية نرد، أو جورج باطاي في صياغة ليست أقل هدماً، عندما يكتب : "لا يمكن للتجربة الباطنية أن يكون لها مبدأ لا في عقيدة (موقف أخلاقي) ولا في علم (لا يمكن للمعرفة أن تكون فيه غاية ولا سبباً) ولا في البحث عن حالة من الغنى (موقف جمالي، تجريبي)، لا يمكن أن يكون لها همٌّ ولا هدف آخر سوى ذاتها ." كلام الشاعر يقف في النفي. ينفي ما يشغله عن طريقه الشخصي، يمنعه من الذهاب نحو المجهول أو التوجه نحو ضوء آخر، من طبيعة ليست مختلفة فحسب، ما دامت هي أقصى اللغة ومستحيلها.
تبدو الحدود في منظور كهذا بين الشاعر والمتصوف مفتوحة ومغلقة في آن. ذلك ما يستدعي يقظة، خاصة وأن الفضاء المشترك بينهما للكتابة هو الكلام. تاريخ هذه اليقظة برمته تحقق من وجهة النظر هذه، طيلة الفترات الكبرى للثقافة العربية ـ الإسلامية. آنذاك كان ثمة اعتراف بالحدود ولا أحد كان يتعدّاها. لا يوجد صوفي ادّعى أنهُ شاعر، ولا شاعرٌ كان يطمح إلى أن يفارق أرضه الشخصية. وفي هذه اليقظة تقيمُ قصيدتي.

( 8. كتاب أخبار الحلاج، اعتنى بنشره وتصحيحه وتعليق الحواشي عليه ل. ماسنيون وب. كراوس، 1936، ص. 99.
9. كتاب أخبار الحلاج، م. س.، ص.70.
10. كتاب أخبار الحلاج، م.س.، ص. 16.
11. الفتوحات المكية، الجزء الثالث، ص. 334ـ335.
12.Michel Chodkiewicz, Un océan sans rivage, la librairie du XX° siècle, Seuil , 1992, p. 131.
13. Op. cit., p. 129.
14 Georges Bataille, L’expérience intérieure, Tel, Gallimard, 1986, p.18.)

ج. آنصي : هذا المكان الذي تتكلم عنه، بخصوص الشعر الجاهلي، هو، كما تقول، مكان الغائبين. إنه، بالفعل، مكان. فراغ سأنظر إليه لا باعتباره مكاناً للفقدان وإنما باعتباره شرطٌاً لظهور هذا الكلام الذي هو في حالة ميلاد، أقصد مكان القصيدة. ثمة تفسير يستند إلى التحليل النفسي، اللاكاني، بالأخص، يلح أكثر من اللازم، تبعاً لذوقي، على مفهوم الفقدان لوصف تجربة صوفية وشعرية. لا شكّ أن التصوف ينطلقُ من غياب. لنأخذ " النشيد الروحي" الذي كتبه الإسباني جان دو لاكروا Jean de Lacroix. إن هو ابتدأ بغياب : ("لكن أين أنت تختفي / تترك روحي تنوح يا صديقي")، فإن هذا الغياب سرعان ما يتحوّل إلى نشيد للحضور. يعود العالم المرفوض، الممحوّ، بامتلائه المحسوس : "صديقي الجبال الأودية الصغيرة الظليلةُ المنعزلة / الجزائر العجيبة / الأنهار الضّاجّةُ / الصفير المليء بحبّ الهواء " امتلاء العالم يتجلّى من خلال حضور الصديق الذي أسميه هنا "الرغبة". عندها تصبح القصيدة نشيداً للانهائية الرغبة. هنا يكمن الشعر، بالنسبة إلي : في هذا التجلي للفقدان الذي يتعايش، بطبيعة الحال، معنا. إنه تجلٍّ مليء أكثر من اللازم بالحياة. فهل تشاطرني الرأي ؟
م. بنيس : تتناول، في هذا التحليل، عالمين شعريين مختلفين تماماً : أحدهما يعود للشعر الجاهلي، الذي هو شعر المحسوس والحسي والمرئي، وثانيهما يعود إلى تجربة صوفية، متأثرة بالشعر الصوفي العربي ـ الإسلامي، والأندلسي بالدرجة الأولى. متصوفنا ابن عربي، متصوف الحب، استثمر الشعر الجاهلي في الرؤية الصوفية. فهو ينقل اللامُسمّى إلى المُسمَّى واللامرئي إلى المرئي. والدليل على ذلك ديوانه ترجمان الأشواق. ثمة قرابة، من ناحية، بين ديوان حياة جديدة Viata Nova لدانتي وهذا الديوان؛ ثم بين الديوان نفسه وشعر جان دولاكروا. لن أذهب بعيداً في تفسير هذه القرابة. سأنحصر، وأنا أميز بين مجالين وممارستين، في ما يبدو لي ضرورياً في القصيدة. لن أناقض ما تعْرضهُ عن الفقدان ولا نهائية الرغبة. وسأنبه، بعكس ذلك، على أن لكلمة "فراغ"، التي تستعملها، معنى يختلف في الثقافة الغربية، التي تنتسب إلى الثقافة اليونانية، عن المعنى الذي أعطيه إياها، انطلاقاً من نقد معناها في الثقافة العربية ـ الإسلامية. فالاشتغال على اللغة، وخرق قواعدها، ورجّ قيَمها، عملٌ أتابع به البحث في فكرة حديثة للقصيدة، من غير أن أنسى أن عملي ينحصر في أن أعيد الكلمات إلى صفائها. إنها منهجية شعرية تهدف إلى فتح مسالك مغلقة بعقلية فقهية تمنع كل ذاتية تستولي عليها وتتركها خارج اللغة. فلا يمكن أن نورطَ الذات في اللغة إلا إذا طالبنا باللانهائي كمُستقبَل وكصيرورة. ما أقصده، هنا، هو أن الفراغ ليس نقيض الامتلاء وليس نهايته. إنه شيء آخر، شيء يكتفي بذاته ولا يترك نفسه تنغلق في قوانين المنطق، الذي لا يمكن أن يفهم الفراغ إلا بما هو شيء يقابل الامتلاء. تخط القصيدة طريقها دون أن تلتفت إلى الوراء. لا سبب ولا نتيجة. هذا الفراغ يعمل عمله من تلقاء ذاته. يشق الطريق ويضيع فيها. لا يؤدي الفراغ، بهذا المعنى، إلى ما يعطينا رضًى أو اطمئناناً. إنه اسمُ صحراء تظل دائماً مفتوحة على الصحراء. في لا نهاية الرحيل نحو الصحارى اللانهائية. لا يمكن لتجربة كهذه للفقدان، للمتاه والهذيان، أن تكون تجربة متصوف، موعود بالسكينة. سكينة محفوظة، أكثر من ذلك، بكلام موجود سلفاً ومعناه رهن إشارة من يقبلون بالشرع الإلهي.
ج. آنصي : لن أكون، فيما ما يتعلق بالمتصوفة، حاسماً مثلك (وهنا لا أتكلم إلا عن المتصوفة المسيحيين الذين أعرفهم على نحو أفضل؛ وأخص بالذكر جان دولا كروا، أكثر الشعراء الغربيين شرقية) : إن كانت تيريز دافيلا Thérèse d’Avila تتغيّا الغبطة، فإن شعر جان دولاكروا، كما قلت، نشيد لانهائية الرغبة. لانهائية ليس لها، إن شئنا الدقة، نهاية، وهي بالتالي مؤسسة لا على الإثبات وإنما هي مؤسسة على النفي. ("من أجل أن أكون الكل / لا ترغب في أن تكون شيئاً في أي شيء"). من وجهة النظر هذه، فإن الكلام الذي يسمعه ليس بالنسبة إليه موجوداً من قبل : إنه الكلام الذي يأتي، كلام المجهول. مجهول يسميه "من يتكلّم" ولا يسميه الله إلا لاحقاً، خارج القصيدة. لهذا أعتبرُ جان دولاكروا أحدَ روّاد الشعر الغربي الحديث برمته، وهذا ما جعلني أقارنه برامبو. ثمة لديه نظرية لليل ـ تجربة الفراغ la nada التي لا تمت بصلة بالمنطق. ليس الليل عنده نقيض النهار، والفراغ ليس نقيض الامتلاء. لذلك فإن الليلَ ضخمٌ بضوء شاسع كفراغ يملأه حضور ما. نحن، هنا، خارج الثنائيات، نحن في حضرة استمرارية تقصي الثنائيات. عندما أتكلم عن الفراغ بما هو شرط لظهور كلام القصيدة، فإنني لا أجعله نقيض الامتلاء. ليس الفراغ هو اللاشيء : إذا كان فارغاً من الأشياء (من التمثيلات، ألخ...) فهو ممتلئ بالطاقة. إنه قريب، بالضبط، مما تسميه "صحراء". وعلينا أن نقول، بتلقائية، إن الصحراء إحدى صور التصوف.
م. بنيس : عليّ أن أوضح كلامي عن الإثبات والنفي. يطرح خطابُ المتصوفة المسلمين الإثباتَ كشرط أخلاقي لكل تجربة صوفية. بمجرد ما يتم التشكيك فيها، يفقد مصطلح "التصوف" معناه. وحتى في الحالات القصوى، يبقى الإثبات هو الكلمة الأولى، التي تؤلف بين جميع المتصوفة المسلمين عند إثبات التوحيد. ومثال جان دولاكروا، يتطلب، بعكس ذلك، تأملاً خاصاً. اسْمحْ لي، إذا جازفت بالتهْويم، أن أقول كلمة بهذا الخصوص. نموذج جان دو لاكروا، دال عند النظر في الفروق بين التصوف المسيحي والتصوف الإسلامي. يكمن الفرق، تحديداً، في خصوصية اللغة العربية، التي حاولت إظهار خصائصها. لقد كتب جان دولا كروا بالإسبانية، التي ليست لغة الوحي، فضلا عن أنها لغة جديدة، مقارنة مع قدامة اللغة اللاتينية. أما المتصوفة المسلمون (الذين أشرت إليهم) فقد كتبوا باللغة العربية، لغة الشعر الجاهلي والقرآن. وهذا هو، مثلا، واقع حال متصوفة المغرب، المسلمين، عرباً وغير عرب، بمن فيهم متصوفون كبار أمازيغ. عندما نهمل فرقاً بهذا الحجم نفقد الضوابط الضرورية لتاريخانية، ليست محايدة في إنتاج المعنى.
أضيف عنصراً آخر إلى ما سلف. إن جان دولاكروا (1542 ـ 1591) إسباني، عاش في فضاء متأثر إلى حد بعيد بثقافة الحب (والسكر) في الأندلس، التي نعرف أن التصوف الإسلامي (وابن عربي هو رمزه) جزء منها. هذا لا يقلل من أصالة تجربته في الليل الغامض Noche oscura وكشوفاته. فالكتابة بالإسبانية والعيش في فضاء مسكون بثقافة عربية عن الحب وليلاته (في زمن الموريسكيين) يضيئان لنا حالات النشوة التي أدت به، ظاهرياً، إلى خرق الحدود، التي وضعها القانون المسيحي والسلطة الدينية للكنيسة، بإعطائه معنى شعرياً لكلمتي "ليل" و"فراغ". هذان العنصران يساعداني على أن أفهم أن جان دولاكروا شاعر. شاعر الشطح، أكثر الشعراء الغربيين شرقية. أي أن اللاشيْء الذي يتحدث عنه هو إمضاء شاعر منفتح على الديني، من خلال مظهره الصوفي. وهو، بهذا المعنى، يفجّر النص اللاهوتي لا النص المقدس، كما يقول خوسي أنخيل فالانتي .
عندما نصف نموذج جان دولاكروا بالدال فذلك لأنه يجد هنا مكانه الصحيح. لنتذكّرْ أيضاً أن بولس نويا رفض بعض أطروحات أسين بلاسيوس عن علاقات جان دولا كروا بالصوفي الأندلسي ابن عبّاد الرُّندي (الرندة 1333 ـ فاس 1390). وإن كان هذا الأخير يعتقد أن " العلاقة غير واردة" فهو يلاحظ أن ثمة بالأحرى تقارباً منفصلاً قبل أن يكون اقتباساً . لكن اكتشاف مخطوطات الخاميادوـ الموريسكية، منذ 1996، ومنها الشرح الصوفي لأسماء الله الحسنى، تدفعنا إلى الاعتقاد بأن جان دو لاكروا ربما اطلع على شرح ابن عبّاد لأسماء الله الحسنى، الذي يتضمن معنى تجربة الليل الغامض. لا يبعد هذا الموقف من شاعريته عما أفكر فيه، كما تفكر فيه أنت الآخر، أو خوسي أنخيل فالانتي وأندرياس سانشيس روباينا. هكذا تكتب بخصوص جان دولاكروا : " بُعْد تجربته شعريٌّ بكل نزاهة [...] [في قصائده] ـ التجربة الصوفية والتجربة الشعرية غير منفصلتين ." يبدو، بهذا المعنى، أن الفراغ لديه صورة شعرية كبرى، رغم أنني لست متأكداً من أنه قد يكون قبِلَ، باعتباره مسيحياً مؤمناً، أن يعيش تجربة الفقدان والمتاه. هذه التجربة التي عاشها الشاعر الحديث، في وقت أصبح يسهر على انفتاح الحدود وانغلاقها بين الشاعر والمتصوف. وهي الوضعية التي يعبر عنها جورج باطاي على النحو التالي : " إن كانت التجربة الإنسانية تجيب عن سؤال : ما الذي هناك ؟ بشيء آخر غير : أنا والليل، أي التساؤل اللانهائي، فهي تربط جوابها بالطبيعة. إنها، بعبارة أخرى، تفسر التجربة انطلاقاً من الطبيعة وتتخلّى من ثمّ عن الاستقلالية. إن تفسير الإنسان من منطلق معطى (بفعل رمية نرد ما تعوّض بآخر مَا) ضروري، لكنه فارغٌ في الحدود التي يجيب فيها عن التساؤل اللانهائي : أن تعطي شكلاً لهذا الفراغ هو في الوقت ذاته أن تحقق القوة المستقلة للتساؤل اللانهائي ." إن باطاي قارئ كتاب الرؤى لأنخيل دي فوليـنْيُوAngel de Foligno، كما أن رامبو، الشاعر المفضل لباطاي، يستلهم الثقافة الروحية للشرق. كشوفاتهما (جان دولاكروا ورامبو) تصدر عن تأويل مفتوح ومغلق في آن للتصوف. وهما يؤكدان أن الشاعر وحيد في عالمنا الحديث.
إذا كان الفكر والشعر غير قابلين للانفصال لدى شاعر غربي، فإن هذا الأمر لا يمكن أن ينسحب إلا على شعراء عرب محدودين، على غرار أبي العلاء المعري (973 ـ 1057) الذي يجعل من التفكير منهجاً لا ينفصل عن التجربة الشعرية. وبخلاف الشعراء، اخترع مُتصوفُونا في النثر نظامهم الخاص في الكتابة. وهذا النظام، المعقد إلى حد بعيد، يقود المتصوف إلى رؤى (ومشاهدات) شبَقية لم ينجح أي شاعر في كتابتها. تلك هي أيضاً حالة ابن عربي مع حروف الأبجدية. وفي المقابل، أدت حالات الشطح التي عرفها الحلاج إلى أن يرى نفسه واحداً مع الآخر (الحبيب، الله)، ويقول إن كلام الله وكلامه شيء واحد. لذلك جرؤ على قول "أنا الحق"، الذي لم يجرؤ أحد قبله على التصريح به في العلن، أمام الناس. وقد ساد اعتقاد بأن استعمال الحلاج كلمة "الحق" (وهي من أسماء الله الحسنى) تعبير عن رغبته في أن يكون الله. وقد حوكم وقتل من طرف الذين لم يقدروا على الاقتناع بأنه احتضن "كل فن"، وأنه لا يقول شيئاً يتعارض مع الشرع الإلهي، الذي كان مسلّماً به وخاضعاً له. لكن الحلاج، من جهة أخرى، كتب قصائد، بل له ديوان منشور. وابن عربي كتب هو الآخر الشعر وله بدوره دواوين منشورة. مع ذلك، لم يبلغ المتصوفان، الحلاج وابن عربي، منزلة الشاعر الكبير في اللغة العربية. لا يهدف المتصوف العربي إلى أن يكون شاعراً، لأنه يعرف أنه يستعمل الشعر كوسيلة لتبليغ آرائه، وأفكاره، وتجربته، وكشوفاته. إنه مقتنع بأن الكلام الذي يصدر عنه، قولا أو كتابة، يأتيه من الله. ولا يقول ولا يكتب، بالتالي، إلا ما أعطاه إياه (الحبيب، الله).
إن الفروقات الدقيقة بين التصوّفيْن الإسلامي والمسيحي لا تساعد على مهمة الشرح. وما أقترحه، كشرح، مجرد كلمة. كلمة تحاول أن تظهر بأن ما لا يقال في اللغة الصوفية ليس أقل مقاومة مما هو عليه الأمر في اللغة الشعرية، وأن تاريخانية اللغات تدعونا إلى التأني في حوار تأخر عن أن يتطوّرَ بين عالمين شعريين، عربي وغربي. بهذا المعنى، فإن تأويلك لطريقة جان دولاكروا لها مبررها، قبل كل شيء، من وجهة نظرك الشعرية في العالم، عالمنا، الذي لا شيء وراءه.

( 15 Nuit obscure, Cantique spirituel, préface de José Valente, introduction et traduction nouvelle de Jacques Ancet, Poésie/Gallimard, 1997, p.63.
16. Jean de la Croix, Nuit obscure, Cantique spirituel, Op. cit., p.8.
17 Paul Nwyia,S.J. Ibn Abbad de Ronda (1332-1390), Imprimerie catholique, Beyrouth,1961, p-p. 28-41.
18. Jean de la Croix, Op. cit., p.22.)

ج. آنصي : كل واحد يعلم أن القصيدة ترتبط ارتباطاً حميماً باللغة التي تظهر فيها وتغيرها من الداخل. وهي في هذا الارتباط فريدة ومتفردة. لكن لديها، في آن، نزعة كونية، نزعة عبور الحدود رغم الموانع الجلية التي تواجهها مثل هذه الهجرة. أسألك أنت، المترجم أيضاً، أي الذي يؤمن بأن الشعر ليس متمنّعاً عن الترجمة، كما يتردد في الغالب، بل قابل للنقل، هل يمكنك أن تحدثنا عن هذه التجربة القصوى التي مثلتها بالنسبة إليك ترجمة قصيدة ملارمي رمية نرد إلى العربية ؟
م. بنيس : تصبح الصلة الحميمة، التي تربط القصيدة باللغة، دالة عندما تصل القصيدة إلى خلق صدمة داخل لغتها، وإيجاد سرٍّ في حالة يدوم ولا يعثر أبداً على اكتماله. قصيدة ملارمي رمية نرد هي المظهر المثالي لطاقة الشعر الذي يترك السرَّ يتجدّد باستمرار. فهي قصيدة فريدة في تاريخ الشعر العالمي. تخترق حدود اللغة الفرنسية والأرض الأروبية. قصيدة تحرر من كل ما يحُدّ من انتمائنا اللغوي أو الثقافي. إنها قصيدة النشوة بامتياز. وقد تهيأت مدة عشرين سنة لترجمتها. ثم سنحت الفرصة في إحدى ليلات مارس 2006، بمراكش، خلال حديث مع إيزابيلا كيكاييني والشاعر برنار نويل.
في النص الذي كتبته بعنوان "مذكرات ترجمة ،" وصفت مساراً وأضفت بناء. لا أبالغ إن قلت بأني واجهت أكبر المشاكل تعقيداً في ترجمة الشعر. كانت غايتي من ترجمة هذه القصيدة تتلخص في البحث عن لغة شعرية عربية، يمكنها أن تتلاءم مع تصور الكتاب لدى ملارمي وتطبيقه في القصيدة. هنا، يضيع السرّ في الثنيّات اللانهائية للكلام. كنت بحاجة إلى صبر، هو عبارة عن سلوك الناسك. قمت بقراءات، أبحاث، استشارات، حوارات ... هذه القصيدة مبنية على كلمات مفاتيح، نعثر عليها في العربية بالدرجة الأولى. كُتبت هذه القصيدة مع ألف ليلة وليلة، و كتاب الواثق لبيكفورد Beckford والثقافة الأندلسية. فكلمة "الزهر" هي إحدى الكلمات الموجّهة للقصيدة. أتوقف عند هذه النقطة، بالتواضع الذي تعلمه أياي القصيدة، للتعبير عن عجزي عن فهم كيف أن هذه الثقافة العربية غائبة عن المقاربات الغربية المعاصرة، ابتداء من الدراسات العديدة بالفرنسية. عمل الترجمة الذي قمت به يؤدي بي إلى القول بأنه من شبه المستحيل الدخول إلى أقاصي رمية نرد دون معرفة بالثقافة العربية. هذا العمل ليس سوى مدخل إلى الدراسة، وأتمنى أن يكون بداية مغامرة، تقربنا من عناية ملارمي الكبرى بالثقافة العربية وحضورها الذي لا سبيل إلى التغاضي عنه في هذه القصيدة وفي فكرتها الشعرية.
إن العربية، في أدبها، شعرها ونثرها، أو في نحوها ونظام ضبط الحروف فيها بالشكل، ساعدتني إلى حد بعيد على إنجاز الترجمة، إضافة إلى عنايتي بتنبـيه ملارمي الدقيق، الذي وجّههُ إلى قراء مجلة كوسموبوليس، حيث نشرت قصيدة رمية نرد أول مرة، وجاء فيه : " في هذا العمل المتميز كلياً بالجدة، بذل الشاعر جهده الأقصى ليصنع الموسيقى بكلمات." ثم إن قصدي لم يكن منحصراً في الدلالة، بل كانت الغاية هي الذهاب أيضاً نحو هذا الأساسي : " وفيما يخص ترتيب الكلمات في الصفحة، فهناك التأثير كله"، تبعاً لكلمة ملارمي إلى أندري جيد، جواباً عن رسالته الشهيرة من فلورنسا. أي أن المعرفة بكلية العمل لا مفر منها لترجمة وإخراج صفحات القصيدة. وقد كتب بول فاليري بهذا الشأن : " لا أعتقد أنه يجب اعتبار تركيب رمية نرد كما لو تم في عمليتين متتاليين : الواحدة تنصبّ على كتابة قصيدة بالطريقة الاعتيادية؛ والأخرى تعطى الوضعَ الملائم لهذا النص الذي تم [في الكتابة] بصفة نهائية. محاولة ملارمي [...] تأخذ مكانها في وقت التصور، هي طريقة التصور ." وفي الأخير، أشير إلى أنني لم أتردّدْ في أن أترك ذاتيتي تخترق لغة ملارمي. فحاولت أن أخلق صدمة في لغتي العربية، وأعمل على أن يعْبُرها نفَسٌ حتى تحافظ لسرّ اللغة على ديمومته، الذي يبقى سرّاً قادماً على الدوام من المستقبل.
ج. آنصي : وأسألك، من أجل أن أختم هذا الحوار، كيف تعيش عبور قصائدك نحو لغات أخرى وإلى الفرنسية، تحديداً ؟
ك. بنيس : إذا انطلقت ممّا حاولت التطرق إليه، فسأقول بأن ترجمات شعري إلى الفرنسية تنجح، عموماً، في إعادة خلق هذه الصدمة وفي أن تحافظ على سرّه. أقصد ترجمات برنار نويل بالدرجة الأولى. في هذه الترجمات، كنت قريباً دائماً من برنار : إنه لا يعرف العربية، لكنه ينصت إليها بحساسية وانتباه. أهيئ له ترجمة أولى، خاماً، كلمة مقابل كلمة. وبالإنصات إلى موسيقية اللغة العربية في قصيدتي، يبدأ عمل الترجمة. شيء عجيب. كيف يمكن أن ننجح في نقل لغة غير ديكارتية إلى اللغة الفرنسية، التي ترفض كل خروج على البناء الديكارتي ؟ وكيف يمكن أن نعمل على انبثاق مرح لموسيقى العربية في الفرنسية ؟ مسألتان شائكتان. من المفرح، جواباً عن الأولى، أن الشعر الفرنسي عاش مغامرته الكبرى لتخطي الحدود الديكارتية، منذ الرمزيين في القرن التاسع عشر. إنه يجسد الضيافة التي منحتها اللغة الفرنسية للغات الأخرى، ومنها العربية. فبالإصغاء إلى تلك اللغات، والانخراط في الحوار معها، تحررت الفرنسية من صرامتها. من هذا الجانب، أحسّ أن ترجمات برنار تبعث النشوة بطريقة مبتهجة في قراء فرنسيين، وأنا سعيد بذلك.
أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإن برنار يعبّر كل مرة، تجاه الترجمة، عن نوع من اليأس. بداية تقديمه لترجمة ديواني هبة الفراغ شاهدة على ذلك : " كل شيء بدأ بالنغَمية، بانحناءاتها وتقاطيعها وحجمها. نغّمية كانت لها سلطة أن تثير الأذن بما يكفي، لكي تبعد بقية الرأس عن سؤال الفهم. ولكن هل الاستماع إلى الانحناءات الصوتية التي نعرف أن لها معنى محدداً يغني الموسيقى يمكن أن يكون كافياً إلى أمد طويل ؟ هنا يأس أن تكون الأجنبي، الذي هو الأصل في نقل هبة الفراغ إلى الفرنسية". يأس أن يكون على هامش أرض لا يمكن للفرنسية أن تبلغَها. لكن بفضل هذه الاستحالة يأخذ عمل الشاعر قوته كلها. ذلك أنه إذا كانت الترجمة لا تعيد إنتاج موسيقية اللغة (العربية)، فإنها لا تتوقف، في لغة شاعر مترجم في قامة برنار نويل، أن تخلق موسيقية أخرى أحسّها، أنا الغريب عن اللغة الفرنسية. يدلني هذا على أن استضافة لغات أخرى في لغتنا هي حوار ذاتيات لا تكتمل إلا في الحدود. كل ترجمة كبرى تمر عبر لغة شاعر، أقصد الشاعر الآخر، من خلال ذاتيته وكتابته. ترجمة مثل هذه كتابة ثانية. وهي تسجل الاختلاف الذي هو إمضاء كل كتابة. كما لو أنها تذكّرنا بأن ترجمة الشعر هي، بالنسبة للغة وسرّها، منبعٌ لا ينضب.

( 19 Georges Bataille, Le coupable, suivi de L’Alleluiah, Coll. L’imaginaire, Gallimard, 1998, p-p.201-202.
20. في صلة وصل مع القصيدة، مجلد منشور إلى جنب رمية نرد، دار إيبسيلون، باريس، 2007.
21. Œuvres complètes, t1, Pléiade, Gallimard, 1957, p.628.) 


*  المجلة الأدبية الفرنسية  

europe
 عدد مزدوج 1015ـ 1016، نوفمبرـ دجنبر 2013. 
في الثنيّات اللاّنهَائـيّة للكَلام الجزء الثاني


عندما أدركت أن الشعر اختارني وهبْتُ له كل شيء محمد بنيس لِذوات

حاورته: سعيدة شريف
(1 من 2)
الرباط في 09 يونيو 2014

رغم تتويجه بجائزة "ماكس جاكوب" المتميزة للشعر التي تمنحها لجنة مكونة من أرفع الشعراء والنقاد بفرنسا، إلا أن الشاعر المغربي محمد بنيس وصف تجربته الإبداعية في المغرب بأنها كانت "شديدة الألم".

بنيس، الذي أبدى ابتهاجه بالجائزة عن عمله الشعري "المكان الوثني" الذي ترجمه إلى الفرنسية الكاتب الفرنسي برنار نويل بالتعاون مع الشاعر نفسه، قال، في حواره مع "ذوات" إن جائزة "ماكس جاكوب" من أرفع الجوائز الشعرية بفرنسا، تمنح لشعراء من فرنسا وخارج فرنسا يكتبون باللغة الفرنسية، أو للشعر المترجم إلى اللغة الفرنسية، مشيرًا إلى أنه يشعر بأن في الجائزة استقبالاً شعرياً ونقدياً من جهة، وتعزيزاً لروح الأخوة الشعرية من جهة أخرى، كما رأى فيها تتويجًا لما حصل عليه من جوائز مغربيًا، وعربيًا، ودوليًا.

وأشار بنيس إلى أنها كتشف فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً، وكان شديد الحرص على إيلائها عناية بالغة، معتبرًا ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية، وأن علاقته بالشعر كعلاقته بالحياة، رغم أن تجربته في المغرب "شديدة الألم"، لكنه تعلم في الحياة، كما يقول، كيف يحافظ على حريته، ولا يتنازل عن اختياراته.

ويعد الشاعر محمد بنيس، من أبرز الأصوات الشعرية المغربية التي تجمع بين الكتابة الشعرية، والدراسة النقدية. كان وراء العديد من المبادرات الشعرية بالمغرب، على رأسها "بيت الشعر في المغرب" الذي أسسه، وتولى مسؤوليته لثلاث ولايات، عرف فيها البيت إشعاعًا كبيرًا، وتنظيم مجموعة من التظاهرات، من مثل المهرجان العالمي للشعر، والدورة الأكاديمية، وإقرار يوم 21 مارس (آذار) يومًا عالميًا للشعر من طرف اليونسكو، بدعوة من البيت.

حصل بنيس على جائزة المغرب للكتاب عام 1993 عن ديوانه "هبة الفراغ" الذي صدرت ترجمته الفرنسية من طرف برنار نويل بالتعاون مع الشاعر عام 1999، والإيطالية من طرف فوزي الديلمي عام 2000، والإسبانية من طرف لويس ميغيل كانيادا عام 2007، وهو الديوان نفسه الذي استحق عليه جائزة "كالوبيتزاتي"الإيطالية لأدب البحر الأبيض المتوسط عام 2006.وحصل ديوانه "نهر بين جنازتين" على جائزة الأطلس الكبير للكتاب في الرباط عام 2003، وصدرت ترجمته الفرنسية بتوقيع مصطفى النيسابوري.كما حصل على جائزة العـويس الإماراتية عن مجموع أعماله الشعرية عام 2007، وفي السنة ذاتها على جائزة "فيرونيا العالمية للآداب"بإيطاليا.ثم الجائزة المغاربية للثقافة بتونس عالم 2010.وجائزة "تشيـبو العالمية للآداب"من أكاديمية "بيستويا" بإيطالياعام 2011.وشّحته الدولة الفرنسية عام 2012 بوسام فارس الفنون والآداب، وهو عضو شرفي أيضًا في الجمعية العالمية للهايكو.

نشر قصائده الأولى عام 1967 في صحيفة " العلم" المغربية، وعام 1969 نشر ديوانه الأول "ما قبل الكلام" على نفقته الخاصة. صدر له حتى الآن أكثر من ثلاثين كتاباً، منها أربعة عشر ديواناً شعرياً والأعمال الشعرية في مجلدين، ونصوص، ودراسات عن الشعر المغربي والشعر العربي الحديث. ترجمت مجموعة من قصائده إلى لغات عديدة من بينها الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، كما ترجمت بعض دراساته إلى عدة لغات، وترجم هو نفسه بعض الأعمال الشعرية الغربية إلى اللغة العربية.

وفيما يلي نص الحوار:

*جائزة ماكس جاكوب التي حصلت عليها مؤخراً، من المؤكد أن لها وقعًا خاصًا في نفسك، إذ قلت إنها دعوة للأخوة الشعرية. فماذا تمثل هذه الجائزة بالنسبة إليك؟

ـ عندما أبلغني رئيس لجنة التحكيم حصولي على جائزة ماكس جاكوب، أحسست بصعود غيمة من الدمع إلى عيني، ثم صمتّ لبرهة. كنت كمن يلتقي بأخ غريب دون أن يكون بانتظاره. فهذه الجائزة من أرفع جوائز الشعر في فرنسا، وحصل عليها كبار الشعراء من فرنسا وخارجها. لهذا اعتبرتها تحية تقدير واعتراف، كما نظرت إليها كاستجابة لما أومن وأحلم به دائماً، هو أن الشعراء إخوة. جائزة ماكس جاكوب تفتح لي أفقاً للقاء والحوار مع شعريات فرنسية وعالمية، وتكرم ديوان "المكان الوثني" الذي هو برأيي في مقدمة إنجازاتي الشعرية. لذا فأنا سعيد أن أكون أحد الشعراء الفائزين بها، وهي بالنسبة لي تتويج للجوائز التي كنت حصلت من قبل عليها، مغربياُ وعربياً ودولياً.

*وهل ما زال في عالم اليوم مجال للأخوة الشعرية في العالم العربي والغربي؟

ـ علمتني علاقاتي مع الشعراء في المغرب أو في العالم العربي، أن الأخوة الشعرية تكاد تكون مفقودة، ولكني كلما انفتحت على العالم أدركت أن هذه الأخوة النادرة يمكن أن أطأ أرضها وأرحل في مناطقها الفسيحة. لذا فأنا أقول إن انفتاحي، منذ شبابي الأول، على شعراء في العالم العربي، ثم على شعراء في العالم، ساعدني على اللقاء بشعراء أصبح بين بعضهم وبيني علاقة إنسانية لها الآن أكثر من ثلاثين سنة، كما أنها سمحت لنا بإبداع أشكال من التعاون والتكامل، لأن الوفاء للصداقة وللأخوة هو ما يسمح باكتشاف طرق مشتركة لانهائية.

*حصلت على الجائزة عن ديوانك "المكان الوثني" الذي ترجمه الشاعر الفرنسي برنار نويل، فكيف تقيم العلاقة بين الشعر والترجمة؟

ـ كنت دائماً شديد الحرص على إيلاء الترجمة عناية بالغة، لأن كل عمل لا يعثر على مترجم يستوعبه وينقله بلغة تحافظ على أسرار العمل، تصبح ترجمته دون جدوى، إن هي لم تتحول إلى تشويه لصورة الشاعر (أو الكاتب) وإنتاجه. من هنا، فإن تعاوني مع برنار نويل اختيار متبادل. كل واحد منا يشعر أنه يتكامل مع الآخر، وأن الترجمة حوار ثقافي وشعري يقوي العلاقة بيننا. والكتابة العليا لدى برنار هي التي أدت إلى إبراز ما في "المكان الوثني" من مغامرة شعرية. والملاحظة نفسها أقولها عن ترجمة الدواوين الأخرى، من طرف برنار أو من طرف مصطفى النيسابوري، بالنسبة للفرنسية، أو من طرف لويس ميغيل كانيادا، بالنسبة للإسبانية، فالترجمة من طرف متمكن من لغة الاستقبال، خبير بالكتابة، هي وحدها التي تعطي الترجمة دلالة وقيمة الحوار بين الشعريات والثقافات.

*بالإضافة إلى كتابة الشعر والنقد والدراسات الأدبية، قمت بترجمة مجموعة من الأعمال الشعرية لمالارميه، وبرنار نويل، وجورج باطاي، وعبد الكبير الخطيبي، وآخرين. هل تترجم لكل الشعراء، أم لديك ذائقة خاصة في هذا الأمر؟

ـ أنا لست مترجماً، ولكني أمارس الترجمة، من حين لآخر، حين أجدني أمام أعمال استثنائية، قد تكون مفيدة لي في كتاباتي. فالترجمة، كما أفهمهما، مختبر للكتابة. توجد في مكان يختفي حيناً وحيناً ندعو الآخرين لزيارته. ثم إنني من الذين يعتقدون أن فائدة الترجمة تتسع، لتشمل اللغة والثقافة. كان ملارميه يقول، إن ترجمته لشعر إدغار ألان بّو هدية للغة الفرنسية. وأنا بدوري أرى نفس ما يقوله ملارميه، وأنظر إلى ما أترجمه كهدية للغة العربية.

*وبما أن الترجمة تشكل جزأً من مشروعك الشعري والأدبي، فهل تستحضر عملية الترجمة أثناء كتاباتك الشعرية؟

ـ كنت منذ شبابي أصر على أن أفهم مسار الحداثة الشعرية العربية، بل والحداثة الشعرية في العالم، بين أوروبا وأمريكا وآسيا. كان واضحاً لدي أنني لا أستطيع أن أكتب قصيدة ذات معنى، إن أنا اعتمدت البداهة وتغافلت عن السؤال وعن خبرة السابقين في ثقافتي وفي ثقافات أخرى. من هنا اكتشفت فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً؛ فجميع الشعراء الكبار، في العصر الحديث، قاموا بترجمة أعمال شعراء من لغات، قريبة أو بعيدة من ثقافتهم. وفي الوقت نفسه تعلمت كيف أكون داخل ما أترجم وخارجه في آن. فما كان من الممكن أن يكون لما أكتب قيمة لو لم تكن لي تجربة شخصية. على أن ترجمة الأعمال الكبرى تشجع على اختيار المغامرة، وهو ما كان صعباً قبوله في المغرب الذي كانت الثقافة الشعرية السائدة فيه بالعربية لا تسمح بالمغامرة، ولا تتسامح مع من يتجرأ عليها.

*وهل ساهمت الترجمة، برأيك، في التعريف بالشعر العربي؟

ـ ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية. علينا ألا نتوهم. هناك شعراء استطاعوا إثبات حضورهم في لغات أخرى، في طليعتهم أدونيس، ومحمود درويش؛ فالشعر العربي لا يزال بعيداً عن أخذ مكانه في الشعرية العالمية، وما تحقق يشير إلى أن الشعرية العربية الحديثة قابلة للحوار مع الآخر. ونقلها إلى لغات أخرى، يتطلب عملاً طويل النفس، لأن وضع الثقافة العربية في العالم متأثر بعوامل عديدة، ولا ينبغي التغاضي عن هذه العوامل في قراءتنا لترجمة الشعر العربي إلى لغات العالم أو التقليل من سيادتها.

*نعرف الكثير عن علاقتك بالشعر، لكننا نريد المزيد؛ فما هي خصوصية علاقتك بالشعر، وكيف صنعت لنفسك هوية شعرية؟

ـ علاقتي بالشعر هي علاقتي بالحياة. الشعر حياتي وأنفاسي. عندما أدركت أن الشعر اختارني وهبْتُ له كل شيء. حاولت أن أتعلم ما اعتقدت أنه مفيد في تكويني لكتابة قصيدة حديثة. كنت دائماً أفاجئ نفسي، أقتحم المجهول والمجهول، أخرج على القيم السائدة وأرحل وحيداً في اتجاه القصيدة. لا أعبأ دائماً بما كان المناوئون يقولون ولا بما يفعلون. اخترت الهامش في الكتابة والحياة، وتركتهم يتأولون. لم يكن لي أن أكون خاضعاً في ستينيات المغرب، ولا في العقود اللاحقة، حيث كانت حرية الشاعر ممنوعة من طرف من كانوا يسمّون أنفسهم تقدميين ومدافعين عن الحرية. كنت أعتمد على نفسي وتكويني. لا أهوّلُ إن أصبت ولا أقيم جنازة إن أخطأت. تعلمتُ أن الإصابة والخطأ من صميم منطق مغامرة القصيدة. وفي الوقت ذاته، كنت أحاول أن أفهم ما يجري حولي، وما يمكن أن تقودني إليه خطاي في البحث عن الأخوة الشعرية بعيداً عن القساة. كانت تجربتي في المغرب شديدة الألم، لكني تعلمت في الحياة كيف أحافظ على حريتي، ولا أتنازل عن اختياراتي كلما اعتقدت أنها اختيارات صادرة عن وعي وإدراك. وكنت باستمرار أقترب من الزمن وأنصت إليه في البعيد الأبعد، أتبادل وإياه ما يدل على متابعة الطريق. هذه كلها إشارات ربما رسمت علامات التعرف على القصيدة والتعلق بها، في صيف وشتاء يذهبان ويرجعان، عبر دورة هي الحلزون المنفتح على المستحيل.

*وباعتبارك أستاذاً جامعياً، هل ساهمت الجامعة العربية، والمغربية بالتحديد، في تحديث القصيدة المغربية وتأطير مجموعة من الأصوات الشعرية الجديدة؟

ـ لا بد لي أن أنبه من جديد على أن الجامعة أفادتني عندما كنت طالباً بكلية الآداب بفاس بين عام 1968 و1972. كان الانتساب إلى الجامعة ضرورة لتعلم القصيدة الحديثة وما يلزمها من تكوين عام في الشعرية العربية أو العلوم المصاحبة لها. وأظن أن الشعراء الشبان الذين كانوا آنذاك طلاباً في الكلية نفسها، أفادوا من تكوينهم الجامعي ومن العلاقة المباشرة مع مجموعة من الأساتذة الذين كانوا شعراء، وخاصة مع محمد الخمار الكنوني الذي كان الأقرب إلى الطلبة، وهو ما حاولت أن أقوم به عندما أصبحت أستاذاً في كلية الآداب بالرباط ابتداء من عام 1980. عدد من الشعراء المعروفين اليوم، من جيل الثمانينيات وما بعده، درسوا في الجامعة معارف لا شكأنها أفادتهم في تعميق ثقافتهم الشعرية، واكتسبوا خبرة أرفع في تذوق الشعر والأدب، أو تمكنوا من الاحتكاك بفنون كان لها حضور في الجامعة وعلى هامشها. وما زلت أعتقد أن الجامعة يمكن أن تكون نافعة في تحسين المعرفة بالشعر وفي نموّ الذائقة الشعرية والجمالية، رغم أن برامج التعليم ليست موجهة مباشرة لهذا النوع من التكوين.

*وإلى أي حد ساهم الشعر العربي في إرساء أسس الحداثة الشعرية وتطويع اللغة؟

ـ كان الشعر العربي الحديث بانياً لأسس الحداثة الشعرية، لا شك في ذلك؛ فالشعراء العرب، منذ الرومانسية العربية، عملوا على إحداث ثورة بعيدة المدى في المعرفة الشعرية وفي كتابة القصيدة والذائقة الشعرية. ما قام به الشعراء المعاصرون يقف إلى جانب ما حققه المفكرون، وبل كان، في أحيان عديدة، أكثر جرأة ومغامرة في اختيار التحديث في الوعي بالقصيدة كما بالذات والزمن والعالم. وقد كان المظهر الأول لتلك الجرأة هو مجال اللغة؛ فكل قارئ متمكن يدرك أن العربية التي أحدثها الشعراء العرب ذات قدرة عالية على التجاوب مع العصر الحديث. وبفضل هذا الفعل، كان دور الشعراء قوياً في عملية تحديث اللغة العربية إلى جانب الأدباء، في الرواية والقصة والمسرح، أو في الكتابات الفكرية والصحفية على السواء. وأتأسف لكون اللسانيين لم يقوموا بعد، بما يمكن أن يكشف عن الثورة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في تحديث العربية، من حيث تركيبها، ومن حيث معجمها وقواعدها. قارّة لغوية   
مجهولة تختفي وراء القصيدة الحديثة. ولكن هل نحن مستعدون للتعرف عليها واعتمادها في التعليم والثقافة العامة؟