vendredi 9 mars 2018

الشاعر المغربي " محمد بنيس" لـ "بث" الشعر يجتاز أصعب مراحله، والشعراء الأوفياء للقصيدة عملة نادرة

 القاهرة (2013): بث : حوار – محسن حسن 

قامة بارزة من قامات الشعر والثقافة والأدب، في بلاد المغرب العربي فقط، إنما في محيط الثقافة العربية والغربية بأسرها، ولا تزال دواوينه الشعرية وكتبه النقدية تلقى بدورها في تشكيل وعي الإنسان العربي، وترجمة واقعه الخاص والعام، ترجمة نابعة من مجده التليد وحضارته الأصيلة، وإنسانيته الخالصة؛ لذلك فهو مهموم أبدا بمصير المجتمع العربي في مواجهة المستجدات والتحديات، مشغول بتجسيد واجهة عربية مشرقة وحاضرة في عيون الغربيين، من خلال عالمه الشعري ومنجزه الأدبي والأكاديمي، ثم هو في محمل أطروحاته ولآرائه، لا يخفي حزنه الشديد مما آلت إليه أحوال الوطن العربي على كل المستويات؛ السياسية والاجتماعية والثقافية، خاصة بعد تداعيات الربيع العربي، إنه الشاعر والمفكر والأديب .. الأستاذ الدكتور "محمد بنيس" أستاذ الشعر العربي الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أحد مؤسسي بيت الشعر في المغرب، والذي له العديد من الدواوين الشعرية منها " ورقة البهاء" و "مواسم الشرق" و"شيء عن الاضطهاد والفرح" وغيرها من الدواوين، بالإضافة إلى دراسات أكاديمية ونقدية أخرى.
شاعرنا الكبير "محمد بنيس" تحبسه حاليا عن الناس وعن ممارسة نشاطه الشعري والأدبي، فترة نقاهة بعد إجراء عملية جراحية مفاجئة، ورغم ذلك لم يمتنع عن الاستجابة لدعواتنا إياه للحوار وطرح الأسئلة حول مستقبل الثقافة والمثقفين في عالمنا العربي، وحول مصير الوعي الإنساني في بلادنا، بالإضافة لقضايا أخرى عديدة تطرق إليها في هذا الحوار.

بين هموم السياسة وهموم الشعر
بداية .. ما الذي يشغل بال شاعرنا الكبير هذه الأيام، فكراً وثقافة وشعراً ؟
ج. أنا الآن في فترة نقاهة بعد أن اجتزت وضعية صحيّة صعبة. ورغم محدودية القدرة على الجلوس إلى المكتب، أحاول أن أستأنف أعمالي المتوقفة لمدة تزيد عن شهرين ونصف. أصحح ترجمة "كتاب النسيان" لبرنار نويل، وأكتب قصائد. شيئاً فشيئاً يمكنني أن أستعيد حيويتي بما يساعدني على الكتابة والقراءة واللقاء مع الآخرين. يلزمني أن أستريح حتى أقوم لاحقاً بما ينتظرني في المغرب والخارج.
هموم الشعر كثيرة ومتنوعة .. ماذا عنها في عالم الشاعر محمد بنيس ؟
ج. أكبر وأعمق الهموم هذه الأيام هي الأوضاع القاسية التي يعيشها العالم العربي. نحن في هاوية لا قرار لها. كنت أتوقع حدوث انهيارات في السياسة والمجتمع والثقافة، لكنني لم أكن قط مهيأ لتخيل هذا الذي يحدث دفعة واحدة. لم أعد أستطيع أن أفكر في هذا الذي يحدث لشدة سطوته. أتابع وأتساءل : أين كل الذي أنجزته الثقافة العربية منذ ما يقرب من قرنين ؟ التفاصيل لا تنفع. أفكار وأعمال وقيم ومبادئ، كل ذلك إلى الجحيم، بدون ترتيب ولا استشارة. مع قيام الربيع العربي كنت كغيري انتفضت وهللت. ثم جاء العذاب الذي كنت أتوقع شيئاً منه، لكن ليس بهذه الدرجة. يتبيّن لي أننا لم نحلَّ أي مشكل من أشكال التخلف : لا السلطة السياسية، ولا مشكل الاعتقاد، ولا أوضاع المرأة، ولا لعنة الفقر، ولا طبيعة اللغة، ولا مكانة الثقافة.
هل هناك همٌّ أكبر من هذه الهموم ؟ وكيف يمكن لسؤال الشعر، بل لسؤال الثقافة، أن يتسلل إلى هذه الدائرة من النيران والدمار والجهل ؟ أحتاج إلى طاقة كبيرة من المقاومة كي أفكر في قصيدة أو كتابة. وعندما أنجح في التغلب على اليأس لا أعرف بالضبط لمن أكتب، ولا الفائدة اليوم مما أكتب، وهل هناك يوم ما يمكن أن يكون لما أكتب معنى. لي أصدقاء مغاربة وعرب يساندونني، يسألون ويطمئنون. وآخرون غربيون يحرضونني على الاستمرار. مع هؤلاء وأولئك أتبادل التحية والكلام. وعندما أحس أنني وحدي أكون كما لو كنت أبكم، أقضي أيامي في صحراء لا تنتهي.
بالنسبة للكم الشعري عربياً .. كيف تقدّر حجم الكتابات السطحية التي لم ترق لدرجة العمق الإبداعي على مستوى الشكل والمضمون ؟
ج. ما يهم هو الأعمال الجيدة التي نعرّف بها الوضعية الشعرية. عدد هذه الأعمال يبدو لي ضئيلاً. يمكن أن نلقي نظرة على الخريطة العربية لنتأكد من ذلك. الشعر يجتاز فترة صعبة. القليل من الشعراء هم الذين لا يزالون أوفياء للقصيدة وأسئلتها. هناك الرواية التي أصبحت النوع الأدبي المقبول من طرف الناشر والناقد والقارئ. ثم هناك تراجع المعرفة الأدبية عما كانت عليه في العقود السابقة. كما أن اللقاء مع العالم محصور جداً، ويكاد يصبح بين العرب منعدماً. هذه الوضعية الصعبة هي التي تدفعني لأتشبث بالقصيدة ومعرفتها، من خلال ما أسميه المقاومة الشعرية.

الثقافة المغاربية حاضرة
كيف تقيّم حضور الثقافة المغاربية في المشرق العربي ؟
ج. هناك أشياء عديدة تغيرت عبر البلاد العربية وفيها، من حيث التفاعلات الثقافية. وأظن أن الثقافة المغاربية تجد، اليوم، صداها في المشرق على نحو أفضل مما كان عليه الأمر في السابق. حضور أسماء مغاربية في عدة مجلات وصحف وبين عناوين دور نشر مشرقية أصبح شبه مألوف، بل هو مطلوب. لكن ما لم يتغير بعد هو البنية الذهنية التي تتحكم في المتخيل المشرقي العام عندما ينظر إلى الأدب المغاربي. هذه من القضايا التي فشلنا في إيجاد حل لها. والسبب هو أن نظرة أغلب المشارقة جامدة، لا تقبل بالتاريخ المتحرك ولا تؤمن بالمستقبل المختلف. أوف! أي فائدة في إثارة مثل هذه القضايا ؟ أشعر أن الثقافة العربية، بهذا الخصوص، توجد خارج التاريخ وخارج العالم. وأنا لم أعد أجد لذة في رصد قضايا كهذه، ولا في مواصلة الحديث بشأنها.
بعض الشعراء العرب يعتبرون المغرب منفصلاً ثقافياً عنهم بفعل عدم وصول مؤلفاتهم إليه ناهيك عن الصحف والمطبوعات الأخرى .. تتفق أم تختلف ؟
ج. مثل هؤلاء الشعراء يمثلون فشلنا الثقافي بتفاصيله. من يزور معرض القاهرة للكتاب (وغيره من معارض الكتب في المشرق)، سيجد ناشرين مغاربة يشاركون منذ أكثر من ربع قرن، وسيجد دور نشر مشرقية تنشر أعمالاً مغربية منذ الفترة ذاتها أو ربما قبل ذلك. من يفتح المجلات العربية سيعثر على قصائد ودراسات مغربية لأجيال مختلفة من الشعراء والكتاب. من يتصفح الصحف على اختلاف قيمتها سيطلع على أسماء مغربية. من يلج عالم الأنترنيت سيقع على ما لا يحصى من القصائد والأعمال الثقافية المغربية. المشكل لا يوجد في التوزيع ولا في الطبع والنشر، بل يوجد في المتخيل. إنه الذي يقف حاجزاً بين هذا الصنف من الشعراء العرب وبين المغرب. أقصد متخيلهم المريض، الكسول، الذي يستلذ الجهل ويتباهي به. ثم لنتأمل قليلا (ألا يزال استعمال كلمة"التأمل" مقبولا ؟) : من أين أتانا كل هذا الخراب الذي نحن فيه ؟ وهل مثل هذه العقلية بريئة ؟ ولماذا تغيب الدراسة المنهجية لمثل هذه القضايا ؟ وكيف لا يطرح الدرس الجامعي مثل هذه الأسئلة ؟
منذ ديوانك الشعري الأول "ما قبل الكلام " (الصادر عام 1969) وحتى أحدث الدواوين "سبعة طيور" (الصادر عام 2011) طرأت إحداثيات جذرية في الكتابة الشعرية ومنطلقاتها لديك. فكيف تنظر إليها ؟
ج. يبدو لي أن ثمة مراحل في أعمالي تتضح لكل من يقرأها في تسلسلها الزمني. ولولا تحقق قطائع وانفصالات، أو استئناف المغامرة، لما كان بإمكاني أن أستمر. مضت على ديواني الأول "ما قبل الكلام" ما يقرب من خمس وثلاثين سنة. لكن ما تحقق في كتابة القصيدة يتجاوز هذه الفترة الزمنية. العلامة الفارقة بين مرحلتين من كتابتي الشعرية هي التي عبر عنها "بيان الكتابة" عام 1981. لقد كنت منذ أواسط السبعينيات أرصد الحركة الثقافية الفرنسية على يد كبار الكتاب والفلاسفة الذين أصبحوا في اللاحق موجهين للحركة الثقافية ابتداء من الثامنينيات في العالم. قرأت أعمال مؤلفين فور صدورها واقتربت من بعضهم. وكنت في الوقت نفسه أهتم بما يكتبه أدونيس في موضوع الكتابة، أو ما يمكن أن نكتشفه في الثقافة العربية القديمة، وخاصة لدى ابن عربي. كان الانتقال إلى الكتابة في تصور القصيدة والشعر مرحلة حياة جديدة في الشعر وكتابته. وهو ما يمكن ملاحظته في مجموعة من الدواوين، ابتداء من "مواسم الشرق"، وعلى شكل أوضح مع "ورقة البهاء"، ثم "هبة الفراغ".
أعمالي تشير إلى أن كتابتي الشعرية لم تكن واقفة عند ما هو معلوم، بل كانت على الدوام تسعى إلى اعتبار المجهول هو الطريق الذي تسير فيه. فهو الذي يدفع إلى اعتبار القصيدة عملا ناقصاً باستمرار ويحث على مواصلة البحث في المجهول الذي بدونه ينتفي الشعر وتنتفي فاعلية الكتابة. وأنا، اليوم، كما كنت في السابق، قريب من القلق والسؤال، يقود خطواتي الشك. وهذا طبيعي. إنني سليل ثقافة عربية جمعت بين المشرق والمغرب، متواضع أمام القصيدة ومعرفتها، منفتح على الآخر واستضافته في كتابتي وثقافتي. ثم إن القصيدة علمتني أن أنظر إلى الأمام دون أن أنسى ما اكتسبته في السابق أو أفرط فيه.

في الترجمة ومشكلاتها
وأنت صاحب جهود بارزة في عالم الترجمة .. ما تقييمك للحوار بين الثقافة العربية وثقافات العالم ؟ وإلى أي حد أنت راض عن طبيعة ومستوى هذا الحوار ؟
ج. ترجم العرب في العصر الحديث عدداً من الأعمال الهامة في الثقافة العالمية. وقد أصبحوا يتوفرون على مكتبة عالمية في مختلف مجالات الأجناس الأدبية والعلوم الإنسانية، بالدرجة الأولى. مع ذلك فإن ما ترجم عبر العالم العربي ضئيل جداً. لا أريد هنا أن أعطي إحصائيات عالمية أو متوسطية، على الأقل. فهذا محبط. لكن ربما الذي له أسبقية في التناول هو محدودية الكميات المطبوعة من هذه الترجمات، أو عدم العثور على طبعات جديدة لما تمت ترجمته من الأعمال المفروض فيها أن تكون متداولة في الحياة العامة أو في الحياة الدراسية، ثم عدم وجود سياسة عربية للترجمة. والسبب في كل ذلك هو عدم اختيار الثقافة الحديثة من طرف مؤسساتنا السياسية، التي لها القرار الأول في مثل هذه الاختيارات. هذا ما يجعلني أحيّي جهود المترجمين العرب الذين أهدوا العربية أعمالاً رفيعة وأغنوا بها ثقافتنا وجددوا بها العربية. ولا أظن أن المترجمين العرب عاجزون عن إمداد العربية بكل ما هو مفيد على الصعيد العالمي. فالعارفون باللغات موجودون في العالم العربي كما هم موجودون في أكثر البلاد ذات الثقافات الأساسية في العالم. نحن نحتاج إلى زمن سياسي وثقافي آخر. زمن تكون الكلمة العليا فيه للحرية والديمقراطية والمعرفة والبحث والإبداع والاختراع، زمن نعرف فيه أنفسنا كما نعرف فيه سوانا على نحو أفضل وأدق ومتجدد. زمن تغيب اليوم عنا سماتُه الأولى التي كنا نحلم أن تصبح ذات يوم حقيقـة.
ثم هناك الجانب الثاني الذي يخص ترجمة الثقافة العربية إلى لغات أجنبية. عندما ندخل إلى مكتبة في باريس أو مدريد أو نيويورك أو روما أو إسطنبول، وهي نماذج دالة، غالباً ما يتعذر علينا أن نعثر على أعمال عربية بين العناوين المعروضة. أقصد هنا مكتبات الجمهور الواسع التي تعرض أعمال كبار المؤلفين في العالم أو المؤلفين الشعبيين، الذين تسحب كتبهم بكميات مرتفعة من النسخ. فالإسم الأول الذي يمكن أن نعثر عليه هو جبران خليل جبران، وخاصة كتاب "النبي". هذه ملاحظة تافهة، ولكنها تفيدنا في معرفة ما نوعية معرفة الآخر بالثقافة العربية الحديثة. وحتى نموذج جبران يطرح مشكل اللغة لأن الكتاب مكتوب أصلاً بالإنجليزية. هناك جهود متواصلة في الصين واليابان لترجمة أعمال عربية حديثة. لكنها تتطلب وقتاً أطول كي تقدم حصيلة مؤثرة.
ما أقدمه ليس معياراً لتفاعل وحوار الثقافة العربية مع سواها. ولكن لا جدال في أن المترجم من الأعمال العربية إلى اللغات الأروبية حديث العهد ومحدود للغاية. وغياب سياسة عربية للترجمة من لغات أخرى إلى العربية ينطبق بشكل أكبر على انعدام العناية بترجمة أعمال عربية إلى لغات أجنبية. ثمة اليوم في العديد من الدول سياسة دعم ترجمة أعمال كتابها في الأدب والفكر إلى لغات العالم. ولا علم لي بوجود مثل هذه السياسة في أي بلد عربي، بل لا وجود لها ضمن جدول مهام الجامعة العربية، المؤسسة التي عليها واجب رعاية مثل هذه الأفكار الكبرى.
هكذا هي وضعية الترجمة في الاتجاهين. وهي لا تستجيب لمتطلبات الحركة الثقافية في العالم العربي ولا تتفاعل مع ما يتحقق في بلاد من الغرب والشرق في التعريف بثقافتها. من هنا أرى أن فرصة الحوار بين ثقافة العالم والثقافة العربية تقف عند حدود مغلقة، لا تتجاوز الخطابين الاستشراقي والديني، أي أن الحوار، الذي يبني مستقبل العلاقة المتكافئة والتفاهم المتبادل، غير موجود. ورغم أن كتاباً وباحثين عرباً يتخطون، في المقابل، مصاعب الترجمة إلى العربية من خلال معرفتهم بلغات أجنبية، تسهل عليهم التواصل المباشر مع التطورات في العالم، أو وجود ترجمات أعمال شعرية وروائية عربية إلى لغات أخرى بمبادرة من مترجمين أو مؤسسات نشر أجنبية، فإن المجهودات الفردية، في الاتجاهين، لا تحل ما نلمسه من عجزً عن مواكبة ما يحدث في ثقافة العالم ولا عن نشوء حوار بين ثقافتنا وثقافة العالم قادر على تغيير التصورات المتحكمة في نظرة العالم إلى العرب وثقافتهم.

بين الشعر والرواية
هل تؤمن بنظرية صراع الأجناس الأدبية ؟ وما رأيك في صراع الرواية والشعر ؟
ج. لا أعتقد أن هناك صراعاً بين الأجناس الأدبية. تاريخ الأدب عند العرب أو في أروبا يبين لنا أن التفاعلات هي التي توجه العلاقة بين الرواية والشعر. فإذا كان النثر ابن الأزمنة الحديثة في أروبا فإن وجوده عند العرب يعود إلى القديم. وكان من الطبيعي أن تستفيد الرواية من الشعر لأنه فن الكثافة اللغوية والبناء الموسيقى الأشد إثارة للحواس. وقد كانت الروايات الكبرى متلازمة، في القرن التاسع عشر الأروبي، والأعمال الشعرية الكبرى.
ما تعرفه الأجناس الأدبية اليوم يعود لمنطق الإعلام والسوق أكثر مما يعود لطبيعة هذين الجنسين الأدبيين الأساسيين. لم نعد نفكر في المسرحية التي عاشت أزهى عهودها ثم هي تكاد تختفي اليوم. لذلك فإن هيمنة الرواية ظاهرة تشجعها كل من الثقافة الإعلامية بارتباطها مع سياسة العولمة السائدة. وهذا ما يجعل عدد الروايات يزداد سنة بعد سنة. لكن هذا الكم الهائل لا يقدم لنا أعمالا في مستوى الأعمال الروائية الكبرى، التي ظهرت في القرن التاسع عشر أو في القرن العشرين. لنقل إن وضعية الأدب اليوم هي، بالإجمال، مضادة للأدب وللقيم التي كانت دعامته. علينا ألا ننخدع بالكم الهائل من الروايات الصادرة عربياً أو في العالم، كما يلزم الحذر من النظر إلى ارتفاع كمية مبيعاتها كمعيار لسيادة الرواية أو اعتبارها الفن الأدبي الممكن اليوم. إن الأدباء الحقيقيين، أكانوا روائيين أو شعراء، لا يتنازلون عن اختياراتهم الجمالية والفكرية. وهؤلاء يقبلون بموقع الهامش في الحياة الأدبية والثقافية. فالهامش هو المكان الذي يسمح للأدب بأن يستمر كتجربة فنية وإنسانية، تلازم المجهول، الذي يعطي معنى لحياتنا وموتنا.
باختصار، ما الذي قصدته بـ " الحداثة المعطوبة " ؟
ج. عنوان الكتاب يشير إلى أن الحداثة سائدة في العالم العربي. وهي، كما أوضحت في أعمال سابقة، تنقسم إلى حداثة معزولة، هي حداثة الحرية والإبداع والمغامرة والنقد، والحداثة المعطوبة، التي تهيمن برداءتها على حياتنا. وهذا الكتاب عبارة عن مذكرات ثقافية تخص هذه الحداثة، كتبتها على مدى أكثر من عشر سنوات. فيها ملاحظات على الثقافية في حياتنا اليومية، عبر البلاد العربية، في المغرب والمشرق، في مؤسسة العائلة أو مؤسسة المجتمع، في الفنون أو في الفكر. وقد كنت أرصد فيها مظاهر العطب في ممارسة الحداثة. كثير من المظاهر، التي توحي لنا بأنها حديثة، نجدها مناقضة للحداثة في التصور والممارسة على السواء. ومما كان يستأثر باهتمامي فيها هم هؤلاء الذين كنت أراهم قادمين ليخربوا ما تم بناؤه. وها قد أتوا، وهم يخربون باسم الدين، حاملين شعار الديمقراطية، بما هو شعار أنتجته الثقافة الحديثة. هذه اليوميات التي كنت نشرتها قبل سنوات ونفدت طبعتها الأولى اتضح لي، بعد استيلاء الإسلاميين على السلطة، أن هذا وقت نشرها. ولكن الحداثة المعطوبة لا تقتصر على الإسلاميين، وإنما هي تشمل عموم حياتنا وممارساتنا. وقد لاحظت أن القراء انتبهوا مع هذه الطبعة الجديدة إلى ما لم يكونوا انتبهوا إليه من قبل.
ديوانك" نهر بين جنازتين" يتناول مسألة اللغة العربية. فما معنى أن تخص هذا الموضوع بديوان كامل ؟
ج. لم نعد نعيش الفترة التي كان فيها حافظ إبراهيم ينتشي بالدفاع عن العربية وإظهار معجزتها في القرن العشرين. العربية أصبحت في حالة احتضار منذ الثمانينيات، لا فرق في ذلك بين المغرب والمشرق. نظرة حافظ إبراهيم التي كنا ننشدها عن ظهر قلب ونهتز طرباً بها تحولت إلى قطعة يمكن الاحتفاظ بها في متحف. ولكنها لا تستجيب لما تعانيه العربية اليوم. إن الكتابة عن العربية اليوم لا تنحصر في قصيدة ولا يمكن أن تكون على النمط التقليدي في النظر إلى اللغة أو إلى وظيفتها أو علاقة الإنسان بها. وقد دفعني كل ذلك إلى المغامرة بكتابة ديوان يستحضر النهر، الزمن البشري والتاريخ الحضاري. ثم إن ما كان يعنيني هو توريط الذات الكاتبة في الكتابة وموضوع الكتابة. إذن "نهر بين جنازتين" اشتغال على النهر الذي من خلاله أعيد كتابة تاريخ اللغة العربية وما تعيشه من حالات الاحتضار. وأنا في كل هذا أتبع الطريقة الشعرية التي تتجاوب فيها الصورة الشعرية مع البناء الموسيقى وتوزيع الصفحة. كتبت هذا الديوان عبر سنوات من التركيز والجهد. وقد نشر مترجماً إلى كل من الفرنسية والإسبانية. وما وجده من صدى خاص لدى قراء هاتين اللغتين يؤكد لي أن الشعر يفتح الطرق الألف للحوار الحضاري عندما تتحقق الترجمة الجيدة وتتوفر دار النشر التي تعطي العمل قيمته.

دفاع عن حرية الأدب والفن
ساهمت في كتاب يدافع عن " سلمان رشدي " ضد القرار الخوميني بإهدار دمه .. ما مغزى هذه المشاركة ؟ وما موقفك من القفز على العقائد والنصوص الدينية في مؤلفات البعض وكتاباتهم بالعالم العربي؟
ج. مساهمتي في هذا الكتاب طبيعية لأنها تصدر عن إيماني بحرية الرأي والتعبير. لا يمكن أن نبني ثقافة إنسانية بقيم تتعارض وقيم الحرية. هذا مبدأ تربيت عليه مما قرأت وأنا شاب، ثم ازددت إيماناً به بعد أن بدأت أكتب. فحرية الشاعر والكاتب نابعة من فهمنا لطبيعة العمل الأدبي ذاته. إن الأدب هو بالأساس خطاب يستعمل اللغة، ولكنه يستعملها بطريقة تختلف عن استعمالنا لها في حياتنا اليومية أو حتى في الكتابة الفكرية. لذلك فإن الحكم على العمل الأدبي يجب أن يصدر عن الناقد الأدبي، العارف بالأدب، وليس عن شخص من خارج الأدب، أكان مؤرخاً أم فقيهاً أم فيزيائياً. هذه مسألة عرفتها الثقافة العربية في بداية العهد الإسلامي، وجاء ابن سلام الجمحي في كتاب "طبقات فحول الشعراء" فانتقد الذين لا يعرفون الشعر ويتكلمون باسمه ويصدرون الأحكام. وفي مقدمة هذا الكتاب وضع ابن سلام قوانين القراءة الشعرية. علينا ألا ننسى هذا التاريخ الثقافي العربي، الذي انتصر فيه العلماء للشعر والشعراء، وبفضل ذلك نشأت معرفة بالشعر والأدب، ثم نشأت حضارة عربية للشعر والأدب مكانهما (ومكانتهما) فيها.
يقدم لنا التاريخ أمثلة لا فائدة في الاستشهاد بها، لأنها متداولة. لقد عاد سلمان رشدي إلى واقعة إسلامية تمس الناسخ والمنسوخ في القرآن، لا أحد يكذبها. فلم لا يكتب عنها بطريقته الفنية ؟ أليس رشدي كاتباً قبل أن يكون هندياً مسلماً ؟ لسلمان رشدي أباء في ثقافتنا العربية. ومن مظاهر حداثتنا المعطوبة أننا لا نولى تاريخنا المشرق أهمية فيما نحن ندّعي تناول قضايا حديثة. كل ما يتصل بالعقائد والنصوص الدينية يحتاج إلى شجاعة في الرؤية وشجاعة في التناول. نحن تقليديون وندافع بطريق متصاعدة عن التقليد والتقليدية من دون أن نفطن دائماً إلى ما نقبل عليه. ولا شك أن محنة سلمان رشدي كانت تحدياً لكل كاتب عربي يدافع عن حرية الرأي والتعبير. لذا فأنا سعيد لكوني ساهمت في الدفاع عنه دون أن يعني دفاعي موافقة على ما كتبه في "آيات شيطانية". هذا الفرق هو ما أشدد عليه. بل أقول إن من بين مآسينا اليوم أننا لا نفرق بين الدفاع عن حرية الكتاب والفنانين في آرائهم والتعبير عنها وبين موقفنا من هذه الآراء. لذلك لا ندافع بما يكفي عن حرية الرأي والتعبير، ولا نتضامن مع الذين يتعرضون بسببها للاضطهاد على يد السلطة السياسية أو السلطة الدينية أو على يد مؤسسة أو فئة من الفئات داخل مجتمعنا.

كيف ترى مستقبل الثقافة العربية في ظل أحداث الربيع العربي المستمرة ووصول الإسلاميين للحكم ؟
ج. لغة الثقافة الآن تكاد تكون صامتة، لا تقول شيئاً. يتهيأ لي أنها تريد أن تنصت إلى الواقع وما يحدث من بلد إلى بلد. نحن اليوم في الهاوية. ولا ادري عن أي مستقبل للثقافة العربية يمكن الحديث. بل لا أدري هل كلمة الثقافة العربية لها مستقبل أم لا. حاولت في بداية هذا الحوار أن أشير إلى بعض السمات الثقافية لهذه المرحلة. وما لا يغيب عني هو أني في حالة حدَاد، حدَادي أمام واقع الثقافة العربية اليوم ومآلها المأساوي. يعني الحدَاد أنني لا أخون الثقافة العربية ولا أتنازل عن الحرية في النظر إلى هذا الذي يعمق الهاوية. وأظن أنني سأظل عاجزاً عن الكلام لمدة لا أعرف مداها. ما يحدث وما أعتقد أنه قادم يخيفني، فأغمض عيني لكي أرى أبعد مما أرى. هاوية، هاوية لا قرار لها.
  
القاهرة 2013  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire