حاورته: سعيدة شريف
(1 من 2)
الرباط في 09 يونيو 2014
رغم تتويجه بجائزة "ماكس جاكوب" المتميزة للشعر التي تمنحها لجنة مكونة من أرفع الشعراء والنقاد بفرنسا، إلا أن الشاعر المغربي محمد بنيس وصف تجربته الإبداعية في المغرب بأنها كانت "شديدة الألم".
بنيس، الذي أبدى ابتهاجه بالجائزة عن عمله الشعري "المكان الوثني" الذي ترجمه إلى الفرنسية الكاتب الفرنسي برنار نويل بالتعاون مع الشاعر نفسه، قال، في حواره مع "ذوات" إن جائزة "ماكس جاكوب" من أرفع الجوائز الشعرية بفرنسا، تمنح لشعراء من فرنسا وخارج فرنسا يكتبون باللغة الفرنسية، أو للشعر المترجم إلى اللغة الفرنسية، مشيرًا إلى أنه يشعر بأن في الجائزة استقبالاً شعرياً ونقدياً من جهة، وتعزيزاً لروح الأخوة الشعرية من جهة أخرى، كما رأى فيها تتويجًا لما حصل عليه من جوائز مغربيًا، وعربيًا، ودوليًا.
وأشار بنيس إلى أنها كتشف فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً، وكان شديد الحرص على إيلائها عناية بالغة، معتبرًا ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية، وأن علاقته بالشعر كعلاقته بالحياة، رغم أن تجربته في المغرب "شديدة الألم"، لكنه تعلم في الحياة، كما يقول، كيف يحافظ على حريته، ولا يتنازل عن اختياراته.
ويعد الشاعر محمد بنيس، من أبرز الأصوات الشعرية المغربية التي تجمع بين الكتابة الشعرية، والدراسة النقدية. كان وراء العديد من المبادرات الشعرية بالمغرب، على رأسها "بيت الشعر في المغرب" الذي أسسه، وتولى مسؤوليته لثلاث ولايات، عرف فيها البيت إشعاعًا كبيرًا، وتنظيم مجموعة من التظاهرات، من مثل المهرجان العالمي للشعر، والدورة الأكاديمية، وإقرار يوم 21 مارس (آذار) يومًا عالميًا للشعر من طرف اليونسكو، بدعوة من البيت.
حصل بنيس على جائزة المغرب للكتاب عام 1993 عن ديوانه "هبة الفراغ" الذي صدرت ترجمته الفرنسية من طرف برنار نويل بالتعاون مع الشاعر عام 1999، والإيطالية من طرف فوزي الديلمي عام 2000، والإسبانية من طرف لويس ميغيل كانيادا عام 2007، وهو الديوان نفسه الذي استحق عليه جائزة "كالوبيتزاتي"الإيطالية لأدب البحر الأبيض المتوسط عام 2006.وحصل ديوانه "نهر بين جنازتين" على جائزة الأطلس الكبير للكتاب في الرباط عام 2003، وصدرت ترجمته الفرنسية بتوقيع مصطفى النيسابوري.كما حصل على جائزة العـويس الإماراتية عن مجموع أعماله الشعرية عام 2007، وفي السنة ذاتها على جائزة "فيرونيا العالمية للآداب"بإيطاليا.ثم الجائزة المغاربية للثقافة بتونس عالم 2010.وجائزة "تشيـبو العالمية للآداب"من أكاديمية "بيستويا" بإيطالياعام 2011.وشّحته الدولة الفرنسية عام 2012 بوسام فارس الفنون والآداب، وهو عضو شرفي أيضًا في الجمعية العالمية للهايكو.
نشر قصائده الأولى عام 1967 في صحيفة " العلم" المغربية، وعام 1969 نشر ديوانه الأول "ما قبل الكلام" على نفقته الخاصة. صدر له حتى الآن أكثر من ثلاثين كتاباً، منها أربعة عشر ديواناً شعرياً والأعمال الشعرية في مجلدين، ونصوص، ودراسات عن الشعر المغربي والشعر العربي الحديث. ترجمت مجموعة من قصائده إلى لغات عديدة من بينها الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، كما ترجمت بعض دراساته إلى عدة لغات، وترجم هو نفسه بعض الأعمال الشعرية الغربية إلى اللغة العربية.
وفيما يلي نص الحوار:
*جائزة ماكس جاكوب التي حصلت عليها مؤخراً، من المؤكد أن لها وقعًا خاصًا في نفسك، إذ قلت إنها دعوة للأخوة الشعرية. فماذا تمثل هذه الجائزة بالنسبة إليك؟
ـ عندما أبلغني رئيس لجنة التحكيم حصولي على جائزة ماكس جاكوب، أحسست بصعود غيمة من الدمع إلى عيني، ثم صمتّ لبرهة. كنت كمن يلتقي بأخ غريب دون أن يكون بانتظاره. فهذه الجائزة من أرفع جوائز الشعر في فرنسا، وحصل عليها كبار الشعراء من فرنسا وخارجها. لهذا اعتبرتها تحية تقدير واعتراف، كما نظرت إليها كاستجابة لما أومن وأحلم به دائماً، هو أن الشعراء إخوة. جائزة ماكس جاكوب تفتح لي أفقاً للقاء والحوار مع شعريات فرنسية وعالمية، وتكرم ديوان "المكان الوثني" الذي هو برأيي في مقدمة إنجازاتي الشعرية. لذا فأنا سعيد أن أكون أحد الشعراء الفائزين بها، وهي بالنسبة لي تتويج للجوائز التي كنت حصلت من قبل عليها، مغربياُ وعربياً ودولياً.
*وهل ما زال في عالم اليوم مجال للأخوة الشعرية في العالم العربي والغربي؟
ـ علمتني علاقاتي مع الشعراء في المغرب أو في العالم العربي، أن الأخوة الشعرية تكاد تكون مفقودة، ولكني كلما انفتحت على العالم أدركت أن هذه الأخوة النادرة يمكن أن أطأ أرضها وأرحل في مناطقها الفسيحة. لذا فأنا أقول إن انفتاحي، منذ شبابي الأول، على شعراء في العالم العربي، ثم على شعراء في العالم، ساعدني على اللقاء بشعراء أصبح بين بعضهم وبيني علاقة إنسانية لها الآن أكثر من ثلاثين سنة، كما أنها سمحت لنا بإبداع أشكال من التعاون والتكامل، لأن الوفاء للصداقة وللأخوة هو ما يسمح باكتشاف طرق مشتركة لانهائية.
*حصلت على الجائزة عن ديوانك "المكان الوثني" الذي ترجمه الشاعر الفرنسي برنار نويل، فكيف تقيم العلاقة بين الشعر والترجمة؟
ـ كنت دائماً شديد الحرص على إيلاء الترجمة عناية بالغة، لأن كل عمل لا يعثر على مترجم يستوعبه وينقله بلغة تحافظ على أسرار العمل، تصبح ترجمته دون جدوى، إن هي لم تتحول إلى تشويه لصورة الشاعر (أو الكاتب) وإنتاجه. من هنا، فإن تعاوني مع برنار نويل اختيار متبادل. كل واحد منا يشعر أنه يتكامل مع الآخر، وأن الترجمة حوار ثقافي وشعري يقوي العلاقة بيننا. والكتابة العليا لدى برنار هي التي أدت إلى إبراز ما في "المكان الوثني" من مغامرة شعرية. والملاحظة نفسها أقولها عن ترجمة الدواوين الأخرى، من طرف برنار أو من طرف مصطفى النيسابوري، بالنسبة للفرنسية، أو من طرف لويس ميغيل كانيادا، بالنسبة للإسبانية، فالترجمة من طرف متمكن من لغة الاستقبال، خبير بالكتابة، هي وحدها التي تعطي الترجمة دلالة وقيمة الحوار بين الشعريات والثقافات.
*بالإضافة إلى كتابة الشعر والنقد والدراسات الأدبية، قمت بترجمة مجموعة من الأعمال الشعرية لمالارميه، وبرنار نويل، وجورج باطاي، وعبد الكبير الخطيبي، وآخرين. هل تترجم لكل الشعراء، أم لديك ذائقة خاصة في هذا الأمر؟
ـ أنا لست مترجماً، ولكني أمارس الترجمة، من حين لآخر، حين أجدني أمام أعمال استثنائية، قد تكون مفيدة لي في كتاباتي. فالترجمة، كما أفهمهما، مختبر للكتابة. توجد في مكان يختفي حيناً وحيناً ندعو الآخرين لزيارته. ثم إنني من الذين يعتقدون أن فائدة الترجمة تتسع، لتشمل اللغة والثقافة. كان ملارميه يقول، إن ترجمته لشعر إدغار ألان بّو هدية للغة الفرنسية. وأنا بدوري أرى نفس ما يقوله ملارميه، وأنظر إلى ما أترجمه كهدية للغة العربية.
*وبما أن الترجمة تشكل جزأً من مشروعك الشعري والأدبي، فهل تستحضر عملية الترجمة أثناء كتاباتك الشعرية؟
ـ كنت منذ شبابي أصر على أن أفهم مسار الحداثة الشعرية العربية، بل والحداثة الشعرية في العالم، بين أوروبا وأمريكا وآسيا. كان واضحاً لدي أنني لا أستطيع أن أكتب قصيدة ذات معنى، إن أنا اعتمدت البداهة وتغافلت عن السؤال وعن خبرة السابقين في ثقافتي وفي ثقافات أخرى. من هنا اكتشفت فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً؛ فجميع الشعراء الكبار، في العصر الحديث، قاموا بترجمة أعمال شعراء من لغات، قريبة أو بعيدة من ثقافتهم. وفي الوقت نفسه تعلمت كيف أكون داخل ما أترجم وخارجه في آن. فما كان من الممكن أن يكون لما أكتب قيمة لو لم تكن لي تجربة شخصية. على أن ترجمة الأعمال الكبرى تشجع على اختيار المغامرة، وهو ما كان صعباً قبوله في المغرب الذي كانت الثقافة الشعرية السائدة فيه بالعربية لا تسمح بالمغامرة، ولا تتسامح مع من يتجرأ عليها.
*وهل ساهمت الترجمة، برأيك، في التعريف بالشعر العربي؟
ـ ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية. علينا ألا نتوهم. هناك شعراء استطاعوا إثبات حضورهم في لغات أخرى، في طليعتهم أدونيس، ومحمود درويش؛ فالشعر العربي لا يزال بعيداً عن أخذ مكانه في الشعرية العالمية، وما تحقق يشير إلى أن الشعرية العربية الحديثة قابلة للحوار مع الآخر. ونقلها إلى لغات أخرى، يتطلب عملاً طويل النفس، لأن وضع الثقافة العربية في العالم متأثر بعوامل عديدة، ولا ينبغي التغاضي عن هذه العوامل في قراءتنا لترجمة الشعر العربي إلى لغات العالم أو التقليل من سيادتها.
*نعرف الكثير عن علاقتك بالشعر، لكننا نريد المزيد؛ فما هي خصوصية علاقتك بالشعر، وكيف صنعت لنفسك هوية شعرية؟
ـ علاقتي بالشعر هي علاقتي بالحياة. الشعر حياتي وأنفاسي. عندما أدركت أن الشعر اختارني وهبْتُ له كل شيء. حاولت أن أتعلم ما اعتقدت أنه مفيد في تكويني لكتابة قصيدة حديثة. كنت دائماً أفاجئ نفسي، أقتحم المجهول والمجهول، أخرج على القيم السائدة وأرحل وحيداً في اتجاه القصيدة. لا أعبأ دائماً بما كان المناوئون يقولون ولا بما يفعلون. اخترت الهامش في الكتابة والحياة، وتركتهم يتأولون. لم يكن لي أن أكون خاضعاً في ستينيات المغرب، ولا في العقود اللاحقة، حيث كانت حرية الشاعر ممنوعة من طرف من كانوا يسمّون أنفسهم تقدميين ومدافعين عن الحرية. كنت أعتمد على نفسي وتكويني. لا أهوّلُ إن أصبت ولا أقيم جنازة إن أخطأت. تعلمتُ أن الإصابة والخطأ من صميم منطق مغامرة القصيدة. وفي الوقت ذاته، كنت أحاول أن أفهم ما يجري حولي، وما يمكن أن تقودني إليه خطاي في البحث عن الأخوة الشعرية بعيداً عن القساة. كانت تجربتي في المغرب شديدة الألم، لكني تعلمت في الحياة كيف أحافظ على حريتي، ولا أتنازل عن اختياراتي كلما اعتقدت أنها اختيارات صادرة عن وعي وإدراك. وكنت باستمرار أقترب من الزمن وأنصت إليه في البعيد الأبعد، أتبادل وإياه ما يدل على متابعة الطريق. هذه كلها إشارات ربما رسمت علامات التعرف على القصيدة والتعلق بها، في صيف وشتاء يذهبان ويرجعان، عبر دورة هي الحلزون المنفتح على المستحيل.
*وباعتبارك أستاذاً جامعياً، هل ساهمت الجامعة العربية، والمغربية بالتحديد، في تحديث القصيدة المغربية وتأطير مجموعة من الأصوات الشعرية الجديدة؟
ـ لا بد لي أن أنبه من جديد على أن الجامعة أفادتني عندما كنت طالباً بكلية الآداب بفاس بين عام 1968 و1972. كان الانتساب إلى الجامعة ضرورة لتعلم القصيدة الحديثة وما يلزمها من تكوين عام في الشعرية العربية أو العلوم المصاحبة لها. وأظن أن الشعراء الشبان الذين كانوا آنذاك طلاباً في الكلية نفسها، أفادوا من تكوينهم الجامعي ومن العلاقة المباشرة مع مجموعة من الأساتذة الذين كانوا شعراء، وخاصة مع محمد الخمار الكنوني الذي كان الأقرب إلى الطلبة، وهو ما حاولت أن أقوم به عندما أصبحت أستاذاً في كلية الآداب بالرباط ابتداء من عام 1980. عدد من الشعراء المعروفين اليوم، من جيل الثمانينيات وما بعده، درسوا في الجامعة معارف لا شكأنها أفادتهم في تعميق ثقافتهم الشعرية، واكتسبوا خبرة أرفع في تذوق الشعر والأدب، أو تمكنوا من الاحتكاك بفنون كان لها حضور في الجامعة وعلى هامشها. وما زلت أعتقد أن الجامعة يمكن أن تكون نافعة في تحسين المعرفة بالشعر وفي نموّ الذائقة الشعرية والجمالية، رغم أن برامج التعليم ليست موجهة مباشرة لهذا النوع من التكوين.
*وإلى أي حد ساهم الشعر العربي في إرساء أسس الحداثة الشعرية وتطويع اللغة؟
ـ كان الشعر العربي الحديث بانياً لأسس الحداثة الشعرية، لا شك في ذلك؛ فالشعراء العرب، منذ الرومانسية العربية، عملوا على إحداث ثورة بعيدة المدى في المعرفة الشعرية وفي كتابة القصيدة والذائقة الشعرية. ما قام به الشعراء المعاصرون يقف إلى جانب ما حققه المفكرون، وبل كان، في أحيان عديدة، أكثر جرأة ومغامرة في اختيار التحديث في الوعي بالقصيدة كما بالذات والزمن والعالم. وقد كان المظهر الأول لتلك الجرأة هو مجال اللغة؛ فكل قارئ متمكن يدرك أن العربية التي أحدثها الشعراء العرب ذات قدرة عالية على التجاوب مع العصر الحديث. وبفضل هذا الفعل، كان دور الشعراء قوياً في عملية تحديث اللغة العربية إلى جانب الأدباء، في الرواية والقصة والمسرح، أو في الكتابات الفكرية والصحفية على السواء. وأتأسف لكون اللسانيين لم يقوموا بعد، بما يمكن أن يكشف عن الثورة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في تحديث العربية، من حيث تركيبها، ومن حيث معجمها وقواعدها. قارّة لغوية
(1 من 2)
الرباط في 09 يونيو 2014
رغم تتويجه بجائزة "ماكس جاكوب" المتميزة للشعر التي تمنحها لجنة مكونة من أرفع الشعراء والنقاد بفرنسا، إلا أن الشاعر المغربي محمد بنيس وصف تجربته الإبداعية في المغرب بأنها كانت "شديدة الألم".
بنيس، الذي أبدى ابتهاجه بالجائزة عن عمله الشعري "المكان الوثني" الذي ترجمه إلى الفرنسية الكاتب الفرنسي برنار نويل بالتعاون مع الشاعر نفسه، قال، في حواره مع "ذوات" إن جائزة "ماكس جاكوب" من أرفع الجوائز الشعرية بفرنسا، تمنح لشعراء من فرنسا وخارج فرنسا يكتبون باللغة الفرنسية، أو للشعر المترجم إلى اللغة الفرنسية، مشيرًا إلى أنه يشعر بأن في الجائزة استقبالاً شعرياً ونقدياً من جهة، وتعزيزاً لروح الأخوة الشعرية من جهة أخرى، كما رأى فيها تتويجًا لما حصل عليه من جوائز مغربيًا، وعربيًا، ودوليًا.
وأشار بنيس إلى أنها كتشف فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً، وكان شديد الحرص على إيلائها عناية بالغة، معتبرًا ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية، وأن علاقته بالشعر كعلاقته بالحياة، رغم أن تجربته في المغرب "شديدة الألم"، لكنه تعلم في الحياة، كما يقول، كيف يحافظ على حريته، ولا يتنازل عن اختياراته.
ويعد الشاعر محمد بنيس، من أبرز الأصوات الشعرية المغربية التي تجمع بين الكتابة الشعرية، والدراسة النقدية. كان وراء العديد من المبادرات الشعرية بالمغرب، على رأسها "بيت الشعر في المغرب" الذي أسسه، وتولى مسؤوليته لثلاث ولايات، عرف فيها البيت إشعاعًا كبيرًا، وتنظيم مجموعة من التظاهرات، من مثل المهرجان العالمي للشعر، والدورة الأكاديمية، وإقرار يوم 21 مارس (آذار) يومًا عالميًا للشعر من طرف اليونسكو، بدعوة من البيت.
حصل بنيس على جائزة المغرب للكتاب عام 1993 عن ديوانه "هبة الفراغ" الذي صدرت ترجمته الفرنسية من طرف برنار نويل بالتعاون مع الشاعر عام 1999، والإيطالية من طرف فوزي الديلمي عام 2000، والإسبانية من طرف لويس ميغيل كانيادا عام 2007، وهو الديوان نفسه الذي استحق عليه جائزة "كالوبيتزاتي"الإيطالية لأدب البحر الأبيض المتوسط عام 2006.وحصل ديوانه "نهر بين جنازتين" على جائزة الأطلس الكبير للكتاب في الرباط عام 2003، وصدرت ترجمته الفرنسية بتوقيع مصطفى النيسابوري.كما حصل على جائزة العـويس الإماراتية عن مجموع أعماله الشعرية عام 2007، وفي السنة ذاتها على جائزة "فيرونيا العالمية للآداب"بإيطاليا.ثم الجائزة المغاربية للثقافة بتونس عالم 2010.وجائزة "تشيـبو العالمية للآداب"من أكاديمية "بيستويا" بإيطالياعام 2011.وشّحته الدولة الفرنسية عام 2012 بوسام فارس الفنون والآداب، وهو عضو شرفي أيضًا في الجمعية العالمية للهايكو.
نشر قصائده الأولى عام 1967 في صحيفة " العلم" المغربية، وعام 1969 نشر ديوانه الأول "ما قبل الكلام" على نفقته الخاصة. صدر له حتى الآن أكثر من ثلاثين كتاباً، منها أربعة عشر ديواناً شعرياً والأعمال الشعرية في مجلدين، ونصوص، ودراسات عن الشعر المغربي والشعر العربي الحديث. ترجمت مجموعة من قصائده إلى لغات عديدة من بينها الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، كما ترجمت بعض دراساته إلى عدة لغات، وترجم هو نفسه بعض الأعمال الشعرية الغربية إلى اللغة العربية.
وفيما يلي نص الحوار:
*جائزة ماكس جاكوب التي حصلت عليها مؤخراً، من المؤكد أن لها وقعًا خاصًا في نفسك، إذ قلت إنها دعوة للأخوة الشعرية. فماذا تمثل هذه الجائزة بالنسبة إليك؟
ـ عندما أبلغني رئيس لجنة التحكيم حصولي على جائزة ماكس جاكوب، أحسست بصعود غيمة من الدمع إلى عيني، ثم صمتّ لبرهة. كنت كمن يلتقي بأخ غريب دون أن يكون بانتظاره. فهذه الجائزة من أرفع جوائز الشعر في فرنسا، وحصل عليها كبار الشعراء من فرنسا وخارجها. لهذا اعتبرتها تحية تقدير واعتراف، كما نظرت إليها كاستجابة لما أومن وأحلم به دائماً، هو أن الشعراء إخوة. جائزة ماكس جاكوب تفتح لي أفقاً للقاء والحوار مع شعريات فرنسية وعالمية، وتكرم ديوان "المكان الوثني" الذي هو برأيي في مقدمة إنجازاتي الشعرية. لذا فأنا سعيد أن أكون أحد الشعراء الفائزين بها، وهي بالنسبة لي تتويج للجوائز التي كنت حصلت من قبل عليها، مغربياُ وعربياً ودولياً.
*وهل ما زال في عالم اليوم مجال للأخوة الشعرية في العالم العربي والغربي؟
ـ علمتني علاقاتي مع الشعراء في المغرب أو في العالم العربي، أن الأخوة الشعرية تكاد تكون مفقودة، ولكني كلما انفتحت على العالم أدركت أن هذه الأخوة النادرة يمكن أن أطأ أرضها وأرحل في مناطقها الفسيحة. لذا فأنا أقول إن انفتاحي، منذ شبابي الأول، على شعراء في العالم العربي، ثم على شعراء في العالم، ساعدني على اللقاء بشعراء أصبح بين بعضهم وبيني علاقة إنسانية لها الآن أكثر من ثلاثين سنة، كما أنها سمحت لنا بإبداع أشكال من التعاون والتكامل، لأن الوفاء للصداقة وللأخوة هو ما يسمح باكتشاف طرق مشتركة لانهائية.
*حصلت على الجائزة عن ديوانك "المكان الوثني" الذي ترجمه الشاعر الفرنسي برنار نويل، فكيف تقيم العلاقة بين الشعر والترجمة؟
ـ كنت دائماً شديد الحرص على إيلاء الترجمة عناية بالغة، لأن كل عمل لا يعثر على مترجم يستوعبه وينقله بلغة تحافظ على أسرار العمل، تصبح ترجمته دون جدوى، إن هي لم تتحول إلى تشويه لصورة الشاعر (أو الكاتب) وإنتاجه. من هنا، فإن تعاوني مع برنار نويل اختيار متبادل. كل واحد منا يشعر أنه يتكامل مع الآخر، وأن الترجمة حوار ثقافي وشعري يقوي العلاقة بيننا. والكتابة العليا لدى برنار هي التي أدت إلى إبراز ما في "المكان الوثني" من مغامرة شعرية. والملاحظة نفسها أقولها عن ترجمة الدواوين الأخرى، من طرف برنار أو من طرف مصطفى النيسابوري، بالنسبة للفرنسية، أو من طرف لويس ميغيل كانيادا، بالنسبة للإسبانية، فالترجمة من طرف متمكن من لغة الاستقبال، خبير بالكتابة، هي وحدها التي تعطي الترجمة دلالة وقيمة الحوار بين الشعريات والثقافات.
*بالإضافة إلى كتابة الشعر والنقد والدراسات الأدبية، قمت بترجمة مجموعة من الأعمال الشعرية لمالارميه، وبرنار نويل، وجورج باطاي، وعبد الكبير الخطيبي، وآخرين. هل تترجم لكل الشعراء، أم لديك ذائقة خاصة في هذا الأمر؟
ـ أنا لست مترجماً، ولكني أمارس الترجمة، من حين لآخر، حين أجدني أمام أعمال استثنائية، قد تكون مفيدة لي في كتاباتي. فالترجمة، كما أفهمهما، مختبر للكتابة. توجد في مكان يختفي حيناً وحيناً ندعو الآخرين لزيارته. ثم إنني من الذين يعتقدون أن فائدة الترجمة تتسع، لتشمل اللغة والثقافة. كان ملارميه يقول، إن ترجمته لشعر إدغار ألان بّو هدية للغة الفرنسية. وأنا بدوري أرى نفس ما يقوله ملارميه، وأنظر إلى ما أترجمه كهدية للغة العربية.
*وبما أن الترجمة تشكل جزأً من مشروعك الشعري والأدبي، فهل تستحضر عملية الترجمة أثناء كتاباتك الشعرية؟
ـ كنت منذ شبابي أصر على أن أفهم مسار الحداثة الشعرية العربية، بل والحداثة الشعرية في العالم، بين أوروبا وأمريكا وآسيا. كان واضحاً لدي أنني لا أستطيع أن أكتب قصيدة ذات معنى، إن أنا اعتمدت البداهة وتغافلت عن السؤال وعن خبرة السابقين في ثقافتي وفي ثقافات أخرى. من هنا اكتشفت فاعلية الترجمة في التحديث الشعري، عربياً وعالمياً؛ فجميع الشعراء الكبار، في العصر الحديث، قاموا بترجمة أعمال شعراء من لغات، قريبة أو بعيدة من ثقافتهم. وفي الوقت نفسه تعلمت كيف أكون داخل ما أترجم وخارجه في آن. فما كان من الممكن أن يكون لما أكتب قيمة لو لم تكن لي تجربة شخصية. على أن ترجمة الأعمال الكبرى تشجع على اختيار المغامرة، وهو ما كان صعباً قبوله في المغرب الذي كانت الثقافة الشعرية السائدة فيه بالعربية لا تسمح بالمغامرة، ولا تتسامح مع من يتجرأ عليها.
*وهل ساهمت الترجمة، برأيك، في التعريف بالشعر العربي؟
ـ ترجمة الشعر العربي، القديم والحديث على السواء، محدودة للغاية. علينا ألا نتوهم. هناك شعراء استطاعوا إثبات حضورهم في لغات أخرى، في طليعتهم أدونيس، ومحمود درويش؛ فالشعر العربي لا يزال بعيداً عن أخذ مكانه في الشعرية العالمية، وما تحقق يشير إلى أن الشعرية العربية الحديثة قابلة للحوار مع الآخر. ونقلها إلى لغات أخرى، يتطلب عملاً طويل النفس، لأن وضع الثقافة العربية في العالم متأثر بعوامل عديدة، ولا ينبغي التغاضي عن هذه العوامل في قراءتنا لترجمة الشعر العربي إلى لغات العالم أو التقليل من سيادتها.
*نعرف الكثير عن علاقتك بالشعر، لكننا نريد المزيد؛ فما هي خصوصية علاقتك بالشعر، وكيف صنعت لنفسك هوية شعرية؟
ـ علاقتي بالشعر هي علاقتي بالحياة. الشعر حياتي وأنفاسي. عندما أدركت أن الشعر اختارني وهبْتُ له كل شيء. حاولت أن أتعلم ما اعتقدت أنه مفيد في تكويني لكتابة قصيدة حديثة. كنت دائماً أفاجئ نفسي، أقتحم المجهول والمجهول، أخرج على القيم السائدة وأرحل وحيداً في اتجاه القصيدة. لا أعبأ دائماً بما كان المناوئون يقولون ولا بما يفعلون. اخترت الهامش في الكتابة والحياة، وتركتهم يتأولون. لم يكن لي أن أكون خاضعاً في ستينيات المغرب، ولا في العقود اللاحقة، حيث كانت حرية الشاعر ممنوعة من طرف من كانوا يسمّون أنفسهم تقدميين ومدافعين عن الحرية. كنت أعتمد على نفسي وتكويني. لا أهوّلُ إن أصبت ولا أقيم جنازة إن أخطأت. تعلمتُ أن الإصابة والخطأ من صميم منطق مغامرة القصيدة. وفي الوقت ذاته، كنت أحاول أن أفهم ما يجري حولي، وما يمكن أن تقودني إليه خطاي في البحث عن الأخوة الشعرية بعيداً عن القساة. كانت تجربتي في المغرب شديدة الألم، لكني تعلمت في الحياة كيف أحافظ على حريتي، ولا أتنازل عن اختياراتي كلما اعتقدت أنها اختيارات صادرة عن وعي وإدراك. وكنت باستمرار أقترب من الزمن وأنصت إليه في البعيد الأبعد، أتبادل وإياه ما يدل على متابعة الطريق. هذه كلها إشارات ربما رسمت علامات التعرف على القصيدة والتعلق بها، في صيف وشتاء يذهبان ويرجعان، عبر دورة هي الحلزون المنفتح على المستحيل.
*وباعتبارك أستاذاً جامعياً، هل ساهمت الجامعة العربية، والمغربية بالتحديد، في تحديث القصيدة المغربية وتأطير مجموعة من الأصوات الشعرية الجديدة؟
ـ لا بد لي أن أنبه من جديد على أن الجامعة أفادتني عندما كنت طالباً بكلية الآداب بفاس بين عام 1968 و1972. كان الانتساب إلى الجامعة ضرورة لتعلم القصيدة الحديثة وما يلزمها من تكوين عام في الشعرية العربية أو العلوم المصاحبة لها. وأظن أن الشعراء الشبان الذين كانوا آنذاك طلاباً في الكلية نفسها، أفادوا من تكوينهم الجامعي ومن العلاقة المباشرة مع مجموعة من الأساتذة الذين كانوا شعراء، وخاصة مع محمد الخمار الكنوني الذي كان الأقرب إلى الطلبة، وهو ما حاولت أن أقوم به عندما أصبحت أستاذاً في كلية الآداب بالرباط ابتداء من عام 1980. عدد من الشعراء المعروفين اليوم، من جيل الثمانينيات وما بعده، درسوا في الجامعة معارف لا شكأنها أفادتهم في تعميق ثقافتهم الشعرية، واكتسبوا خبرة أرفع في تذوق الشعر والأدب، أو تمكنوا من الاحتكاك بفنون كان لها حضور في الجامعة وعلى هامشها. وما زلت أعتقد أن الجامعة يمكن أن تكون نافعة في تحسين المعرفة بالشعر وفي نموّ الذائقة الشعرية والجمالية، رغم أن برامج التعليم ليست موجهة مباشرة لهذا النوع من التكوين.
*وإلى أي حد ساهم الشعر العربي في إرساء أسس الحداثة الشعرية وتطويع اللغة؟
ـ كان الشعر العربي الحديث بانياً لأسس الحداثة الشعرية، لا شك في ذلك؛ فالشعراء العرب، منذ الرومانسية العربية، عملوا على إحداث ثورة بعيدة المدى في المعرفة الشعرية وفي كتابة القصيدة والذائقة الشعرية. ما قام به الشعراء المعاصرون يقف إلى جانب ما حققه المفكرون، وبل كان، في أحيان عديدة، أكثر جرأة ومغامرة في اختيار التحديث في الوعي بالقصيدة كما بالذات والزمن والعالم. وقد كان المظهر الأول لتلك الجرأة هو مجال اللغة؛ فكل قارئ متمكن يدرك أن العربية التي أحدثها الشعراء العرب ذات قدرة عالية على التجاوب مع العصر الحديث. وبفضل هذا الفعل، كان دور الشعراء قوياً في عملية تحديث اللغة العربية إلى جانب الأدباء، في الرواية والقصة والمسرح، أو في الكتابات الفكرية والصحفية على السواء. وأتأسف لكون اللسانيين لم يقوموا بعد، بما يمكن أن يكشف عن الثورة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في تحديث العربية، من حيث تركيبها، ومن حيث معجمها وقواعدها. قارّة لغوية
مجهولة تختفي وراء القصيدة الحديثة. ولكن هل نحن مستعدون للتعرف عليها واعتمادها في التعليم والثقافة العامة؟

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire