vendredi 9 mars 2018

في رحلته نحو الخلود.. محمد بنيس: اخترت الثقافة والشعر اختارني

في 
رحلته نحو الخلود  
محمد بنيس: اخترت الثقافة والشعر اختارني


حوار  مع الشاعر

لجريدة "أخبار الأدب" المصرية
عائشة المراغي
مبدع لا يؤمن بالعفوية. علاقته بالشعر تبادلية، حيث اختار كلا منهما الآخر. التحق بكلية الآداب في فاس عام 1968 لينمي موهبته، لكنه اكتشف أن   التعليم الجامعي وحده لا يكفي، وأن عليه استكمال دراسته العليا والحصول على منصب جامعي يكفل له وضع اجتماعي وعائد مادي يمكنانه من التمتع بكامل حريته الفكرية، فانتقل من فاس إلى الرباط. ومنذ عام 1980 أصبح د.محمد بنيس أستاذا للشعر العربي بكلية الآداب في جامعة محمد الخامس.
ولد بنيس عام 1948، وبدأ رحلته مع الشعر في عمر المراهقة بين عامي 1962 و1963، فانتقل مباشرة من قراءة قصص الأطفال إلى اكتشاف الدواوين. وكانت خطوته الأولى مع ديوان "أغاني الحياة" لأبي القاسم الشابي. بعد ذلك تعرف على المتنبي ثم جبران خليل جبران، وشيئا فشيئا بدأت تتسع دائرة معارفه لتضم شعراء قدامى كالبحتري وأبو تمام والشعراء الجاهليين. ثم وصل للشعر المعاصر، وكان أول من تأثر به هو الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، يقول بنيس: "رافقت مراحل مرضه والقصائد التي كتبها. هكذا بدأت الدائرة تتسع وصرت أكتب. ولم أعد أعرف أين بدأت وإلى أين انتهيت".
أنا الأندلسيّ المقيم بين لذائذ الوصل
وحشرجات البين
أنا الظاهريّ
القرطبيّ
الهاجر لكل وزارةٍ وسلطان
انفتح بنيس على عالم الشعر في جميع أركان المعمورة. سواء باللغة العربية أو عن طريق اللغة الفرنسية. أثاره الشعر الألماني والفرنسي آنذاك. وخاصة نظرية "ت.س.إليوت". فمزج في الثقافة بين ما هو عربي وفرنسي وألماني وإنجليزي: "تأثرت كثيرا بإزرا باوند، لأن شعره مفتوح على الثقافة الكونية، وهذا شيء كان يثيرني جدا. وبطبيعة الحال كنت أتتبع التجارب الكبرى واقرأها بشغف مثل رامبو وبودلير ومالارميه والألماني هولدرلين، هؤلاء الكبار هم النموذج الشعري الذي فتح لي أفق لإعادة قراءة الشعر العربي سواء الجاهلي من خلال امرؤ القيس، أو طرفة بن العبد وأبو نواس والمتنبي وأبو تمام، ثم شيئا فشيئا الشعر الأندلسي. هذه هي المعارف التي أثرتني. لم أكن أعطي اعتبارا لما هو جغرافي أو وطني في الكتابة، ما يهمني هو العمل الفني أولا ثم تجربتي الداخلية وما أحسه شخصيا. فمن المهم أن يكون للشاعر لغته الخاصة وتجربته ورؤيته، بعد ذلك الطريق مفتوح".
وصل بنيس لقناعة داخلية بأن الشعر ليس فيه مراحل تاريخية وإنما تجارب، يتابع: "عندما تأثرت بتجربة امرؤ القيس لم أعتبرها جاهلية، تعاملت معها كأنها شعر اليوم، مع مراعاة أن طريقة الكتابة تعود إلى زمن قديم. أصبحت أشعر بأن كبار الشعراء في العالم كلهم آبائي وهذه عائلتي. لا أميز بين تاريخ وآخر، عهد قديم وحديث، شاعر تقليدي ومعاصر. المعيار هو القوة الشعرية والتجربة. وألا يكون هؤلاء الشعراء قدامى وظلوا كذلك. وإنما يجب أن يكونوا في المستقبل أيضا، وتخترق قوة شعرهم الأزمنة. من هنا كان حبي لهؤلاء الشعراء الذين أسميتهم الكبار، وهكذا أصبحوا أساتذتي".
يؤمن بنيس بالقوة التي تخترق الزمن في كل شيء وليس الشعر فقط، لذلك أول ما يفكر فيه كلما أتى إلى مصر أن يزور الأهرامات ويذهب عند النيل، ليلقي التحية على بناة هذا الأثر العظيم والخالد حتى الآن رغم مرور كل هذه السنوات، وفي كل مرة يتساءل: "كم زمن يمكن أن تبقى؟ فنحن سنفنى والأهرامات باقية هنا".
بالقرب من النيل، وداخل المدينة التي تحتضن الخلود، حضر بنيس وكان لنا معه هذا اللقاء:
تشغلك الحضارات وآثارها الخالدة التي تخترق الزمن. هل هذا سبب الحضور الطاغي لمدينة فاس في كتاباتك؟
فاس هي مدينتي التي تربيت فيها ودرست وعشت ما يقرب من 24 عاما حتى غادرتها عام 1972. لكنها أيضا مدينة قديمة جدا. بنيت عام 182 هجريا. بل يمكن أن نعتبرها أقدم مدينة موجودة في العالم حتى اليوم كبنية. فعندما نأتي للقاهرة يمكن أن نذهب إلى خان الخليلي أو السيدة زينب، أما مدينة فاس فبأكملها قائمة وموجودة الآن كما كانت قبل عشرة قرون. هذا شيء مدهش. لقد تعلمت فيها فن العمارة العظيمة، ثم الفنون والثقافة، والقيم الاجتماعية والأخلاقية والتذوق الفني. لكن علاقتي بها كعلاقتي بالشعر، لا أعتبرها قادمة من الماضي، فأنا ليس لدي حنين العودة له. وهي ليست علاقة رومانسية، لا أعود إليها لأتذكر حبيبة أعشقها أو غير ذلك. وإنما تطرح عليّ أسئلة: ما معني هذه المدينة اليوم في عالم متغير؟ ما معنى فاس في عالم توجد فيه نيويورك أو طوكيو؟ وما علاقتها بهم؟ أنا أطرح هذا السؤال على نفسي وعلى نيويورك، لأنه في زمن فاس لم تكن هناك أمريكا ولم تكن تعرف الصين أو اليابان، لهذا تسحرني كثيرا، لأنها قوية ومسكونة بطبقات من التاريخ والتجارب الفكرية وغيره.
أتذكر أن جمال الغيطاني أتى عام 1979 إلى مدينة فاس وتجولنا فيها. في تلك الزيارة جاءته فكرة كتابة عمله الكبير "التجليات". وكل من يزور فاس بهذا العمق الفكري يكتشف أنها مكان كبير يثير المبدعين في شتى النواحي، سواء كانوا موسيقيين أو رسامين أو مفكرين أو فلاسفة كبار. أما أنا فأترك نفسي حرا في علاقتي بالمكان، لأنه شيء قوي جدا بالنسبة لي. لذلك عندما أذهب إلى النيل، أقضي ساعات طويلة جالسا أمامه. لا أتكلم ولا أفعل شيء. فقط أجلس وأشاهد تلك الأبدية التي توجد فيه. ومثله الأهرامات، فهما يتكاملان. بعد ذلك أذهب إلى خان الخليلي والقلعة وغيرها، لأرى تلك التجسدات عبر التاريخ. وألتقي بالناس واستمتع بأشياء شعبية بسيطة جدا. وأحاول الربط بين هذا الماضي العميق والحياة اليومية للناس المصريين. هذا ما يهمني في المكان.
لا تميل لتقسيم الشعر إلى مراحل تاريخية لكن هناك تقسيمات أخرى كالفصحى والعامية التي أحيانا تصاحبها نظرة مغايرة ودونية. ما رأيك؟
الطريقة التي ينظر بها الرأي العام للشعر وأنواعه شيء معتاد في كل الثقافات ويجب ألا نُفاجئ. فالقصيدة التي كتبها كبار الشعراء العرب في المشرق، أتى الأندلسيون بعدها بنموذج آخر هو الموشحات، ثم جاء الزجل. هذان النموذجان أتيا من الأندلس والمغرب إلى مصر ومنها إلى العراق وسوريا ثم انتشرا. آنذاك لم يعد المتنبي هو الشاعر الكبير، بل شعراء هذا العصر هم من صاروا كبارا في تلك المرحلة. كذلك حينما يقال أن الشعر الشعبي أقل قيمة فهذا معيار عام يستند أحيانا إلى أن ثقافة الشعر الشعبي لا ترقى إلى معرفة شعرية أوسع وأكبر. ولكن هذا في بعض الحالات وليس دائما، لأن هناك شعراء يكتبون بلغة عامية راقية جدا ولهم أفق شعري واسع.
هذه الوضعية موجودة في بعض الثقافات ويمكن أن نتعلم منها ونرى كيف تعيش تلك التجارب نفس الأوضاع التي نعيشها اليوم. لكنها في أوروبا ليست كما هي في العالم العربي. لا توجد إلا على الهامش في دول مثل إيطاليا (المحكيات الإيطالية) والهند. بينما يصعب أن نجد ذلك في فرنسا أو أسبانيا بنفس القوة، لأن القصائد الشعرية تتكون مع نماذج الشعوب والدول. ففي أسبانيا، كانت الكتابة بغير اللغة القشتالية ممنوعة، ومن يفعل ذلك يحاكم، حيث كانت اللغة بمستوى العقيدة الدينية. أما نحن فلا، دائما ما كان هناك شعراء باللغة العربية الفصحى وآخرين بالعامية على امتداد التاريخ، ولم نسمع في يوم من الأيام بأن شاعرا شاميا أو يكتب باللغة العامية منع لذلك. بل الأكثر من هذا؛ لدينا شعراء كبار ابتداء من القرنين الثاني والثالث عشر يكتبون بالعامية والفصحى معا، مثل شوشتري، فهو شاعر صوفي كبير كانت له تجربة مدهشة، يكتب بالعامية وبالفصحى، وشعره فيهما معا متساو.
تمردت على الشعر التقليدي واتجهت للحداثة. لماذا؟
لابد أن أفرق أولا بين التقليدي والقديم، لأن هناك من يخلط بينهما ولكنهما ليسا نفس الشيء. فالتقليدي تعني فقط التقليد، بمجرد أن يبدأ الكاتب في القصيدة يستمر حتى يتوقف. هذه البداهة لا أؤمن بها في الشعر. كما أن الأشكال الشعرية لها أزمنتها، لا يمكن لشكل شعري مضى عليه ألف سنة أن يبقى دائما هو النموذج الذي يمكن أن نكتب به اليوم، لأن التجربة الشعرية تغيرت ويجب أن تكون هي المصدر في الكتابة. أما العنصر الآخر والأهم بالنسبة لي فيكمن في الذات الشخصية، لأن الشاعر الحقيقي هو ذلك الذي يخلق نموذجه الخاص، سواء في اللغة أو الصورة أو البناء أو التركيب أو الإيقاع. أحيانا يكون غريبا أو مستعصيا أو سهلا أو مرفوضا، ليس هذا المهم، وإنما المهم هو إخلاصه فيما يفعل، وهذا هو عمق التاريخ. عندما نقرأ للمتنبي نجد الشعر العربي في كل أعماله ولكننا نجد أيضا المتنبي، هو الذي يعطي معنى لهذا التاريخ. فالشعر العربي يحتاج دائما لشعراء يعيدوا خلقه من جديد ككل. والتجربة العربية، وأحيانا الإنسانية، يتم استخلاصها من خلال الكتابات الشخصية. هذه هي النماذج الشعرية العليا، لكنها نادرة في جميع اللغات.
لا تؤمن بالبداهة والعفوية. فماذا عن الموهبة؟
الموهبة مثل إعلان الميلاد لطفل رضيع، عليه أن يكبر في ظل ثقافة تبدأ من اليوم الأول. لذلك لا أؤمن بالموهبة وحدها، فهي لا تعطي شيئا. وإنما مثل جذوة تتقد في لحظة، إذا لم يتم الانتباه لها ستخبو ثم تنتطفئ وتنتهي، ويكون مستحيلا أن تستمر. فهي فقط استعداد، وعلى صاحبها تحديد مصيرها. هذا ما حدث في جميع الثقافات. حتى الشعراء الذين نظن أنهم عفويون، لا أحد منهم يعتمد على الموهبة وحدها. قد تكون قوية أو ضعيفة لكنها بمفردها لا يمكن أن تصنع شيء. وهذا ينطبق على جميع الفنون بلا استثناء، لأن هناك عمل حقيقي ودراسة وتكوين. وهذا ما فهمته منذ البداية، أن عليّ التعلم بجدية، وأن هناك أسئلة كبرى لابد أن أبحث فيها ولا أخاف منها. رغم أنها أحيانا تشكل كابوسا لا يفارقني، لكن هذا – بالنسبة لي – هو العمل الشعري والإبداعي.
في رأيك؛ ما أزمة الحركة الشعرية في الوطن العربي؟
إننا لازلنا نفكر أن الشعر لا يوجد إلا في المشرق. أنا لا يهمني جنسية الشاعر، وإنما العمل الشعري. لذلك لكي نكون "عارفين بالشعر" علينا أن نطلع على ما يكتب في أي مكان. فالعالم يسير ونحن نظن أننا وحدنا فيه، ولا أحد يريد أن يرى شعرا خارج الحدود. إذا عدنا للثلاثينيات من القرن الماضي سنجد أن طه حسين كتب عن الشعر السعودي، لأنه كان منفتحا. لماذا ننتقل من زمن الانفتاح إلى زمن الرؤية الثابتة الجامدة؟ فالناقد الكبير ليس هو من يعرف الكثير من المدارس والمصطلحات، وإنما من يملك القدرة على اكتشاف الشعراء الكبار حتى وهم شباب. لكن المؤسسة الثقافية في معظم المناطق العربية لا تستوعب الزمن الثقافي، لذلك لا أفاجئ إذا رأيت أننا فشلنا في حركة التحديث بالعالم العربي كله، وأن الذي يسيطر على العقول هو العقل الإسلامي. الدين هو الذي يسيطر، أما الثقافة والأدب والفنون فليس لها مكان. حتى الذين يعملون في المجال الثقافي آفاقهم محدودة جدا ولم تتفتح أعينهم بعد على الثقافة الكونية. لذلك أعتز جدا بجمال الغيطاني وغيره من أصدقائي بمصر كعبد المنعم رمضان وسعيد الكفراوي ومحمد عفيفي مطر، هؤلاء أعتبرهم كبار لأنهم استوعبوا زمنهم الثقافي ولم يظلوا منغلقين في نماذج.
ذلك يعني أن الحداثة أيضا تعاني من أزمة كبرى؟
التحديث الثقافي في العالم العربي لحد الساعة لم يصبح في المركز، وإنما في الهامش. لكي نلتقي بالعالم وننفتح عليه، لابد أن تكون لهذه الثقافة مكان في المركز وأن تبدأ من المدرسة. إذا لم نربط بين الثقافة والتعليم فلن نصل إلى بناء نموذج مواطن حديث، ومنفتح، على نفسه أولا وعلى غيره، وعلى الأفكار والعالم. فللأسف أيضا؛ التعليم إلى الآن يهيمن عليه الفكر الديني الذي لن يسمح لنا على الإطلاق بأن نكون منفتحين على العالم. لأن دائما هناك عقلية منغلقة هي التي تجعل هذا الفكر أحادي وليس متعدد الأبعاد. ولن يصبح كذلك إلا إذا تداخلت معه الثقافة بجميع فروعها، فنون وفلسفة وتاريخ وجغرافيا وأنثروبولوجيا. حينها يمكن أن نتحدث عن مواطن حديث يعرف مكانته في المجتمع وحقوقه وكيف يتصرف مع العالم الجديد الذي يعيش فيه. فالعالم الآن يعيش تحولات خطيرة جدا، والزمن السياسي الذي نعيشه اليوم هو زمن محافظ، يتخلى عن مكتسبات عصور الأنوار التي كافحت الإنسانية من أجل الوصول إليها. والذي انتصر في العقول والأفكار والأذواق – حتى وإن لم ينتصر في السلطة – هو الفكر المنغلق الذي يلغي نهائيا كل ما له علاقة بالعرب والعروبة والثقافة العربية من أجل استنبات نموذج لا تاريخي اسمه النموذج الإسلامي، الذي لم نعرفه في التاريخ العربي سواء في المشرق أو المغرب. الآن هذا النموذج – للأسف – هو الذي يسيطر، حتى وإن اعتقدنا أنه لم يعد له وجود سياسيا، لكن الأخطر من ذلك هو وجوده في وجدان المجتمع وفي العقلية والمنظور، لذلك تراجعت الثقافة العربية وفكرة الحداثة. وبالتالي تراجعت فكرة الحرية ولم يعد لها هذا المكان المركزي الذي كان هو المطلب الأساسي لجميع الشعوب العربية عندما قامت ضد الاستعمار منذ العشرينيات من القرن الماضي، واستمر لخمسين عام، إلى أن وصل لمرحلة انتكاسات تبعها ما نحن عليه اليوم.
هل تلك الانتكاسات هي السبب الحقيقي لأزمة العالم العربي؟
المشكلة اليوم ليست هذه الانتكاسات أو الإخفاق الذي تعيشه فكرة الحرية، ولكن الأخطر أنه لم يعد هناك من ينصت إلى الكلام عن الحرية أو الديمقراطية أو الثقافة بصفة عامة. لهذا اختتمت مقالاتي التي جمعتها في كتاب "يحرثون الحرية" عن الربيع العربي والمراحل التي تلت هذا الحدث الكبير الذي عاشته المنطقة العربية من المغرب إلى المشرق، بما سميته "في الهواء الطلق". ففي القرن السابع عشر كان بعض الإصلاحيين البرتغاليين يرون أن هناك فسادا في الحياة البرتغالية ولكنهم لم يعرفوا لمن يتوجهون بالكلام، فنشأ أدب سُمى بـ"رسالة إلى السمك"، حيث كان هؤلاء الناس يصعدون فوق الجبل عند البحر الأطلسي ويقرأون رسالة، ليس للناس وإنما للسمك فقط. ولأنني أعرف أن كثير من المناطق العربية لا يوجد بها بحر، تكلمت مع الهواء الطلق. أعرف أن لا أحد سيسمع ما أقول لكني سأكتبه وأنشره.
بعد نحو ست سنوات من إصداركم لـ"بيان الديمقراطية". هل تحقق ما أردتم؟
نحن مجموعة من المثقفين لا ننتمي لأحزاب أو مؤسسات ثقافية، ما جمع بيننا فقط هو العمل الثقافي الذي نقوم به وإحساسنا الجماعي بأننا نلتقي في المبادئ الكبرى وندافع عنها. أردنا أن نعبر عن وجهة نظرنا في كتابة الدستور الجديد عام 2011، والمبادئ التي يجب أن يسير عليها. لم نكن نتكلم كقوة سياسية ضاغطة بقدر ما أردنا أن نوجه رسالة تعني أننا مهتمون بالشأن الوطني والعام، ومتشبثون بمبادئ تأتي في مقدمتها الديمقراطية والحرية، فهما الموجهان للمستقبل. وقد تحقق بعض مما كنا ندعو إليه في الصيغة الجديدة للدستور المغربي، سواء من ناحية تحديد الصلاحيات أو تعيين المكتسبات. فهذا الدستور الجديد يعتبر متقدما جدا بالمقارنة مع الدساتير التي كانت موجودة من قبل، حيث قدم للمغاربة إمكانية للتصالح مع أنفسهم وحل الخلافات بينهم بطريقة سلمية. ليرسموا أفق اجتماعي منفتح على جميع الفئات والقضايا، ويصبح صوت الشعب حاضرا في الاختيارات الكبرى للدولة وفي التوجهات العامة. فالعمل الذي قمنا به رمزي وكان له مفعوله بشكل هادئ، لكنه سيبقى دائما مطلبا مفتوحا، لأن الديمقراطية ليست نهائية وإنما في حالة سيرورة دائمة.
هل مازال هناك ما تطمح إليه ولم تحققه بعد؟
أنا لا يهمني شيء ولا أطلب أي شيء. اعتبر أنني اخترت الثقافة واختارني الشعر من أجل أشياء عميقة. ليس من أجل امتياز أو تصفيق أو مناصب أو أي شيء. فكلها لا تعنيني على الإطلاق، ولذلك لن تجديني في أي منها. فأنا لا أتنازل، وأقول ما أفكر فيه بصوت عال، لأنني أعتبر نفسي حفيد الكبار من طه حسين والمتنبي وغيرهما، بطريقتي الشخصية، لا أقلد أحدا ولا أدعي أنني أفضل. ولكن من حسن حظي وما سعدت به كثيرا أنني عشت في زمنهم ورافقتهم، سواء العرب أو الأجانب والأوروبين. تعلمت منهم وخالطتهم في تفاصيل الحياة اليومية والكتابة والأفكار، وفي النشر والمهرجانات. كل هذه الأشياء أتعلم منها وتجعلني أتمسك أكثر باختياراتي التي يجب أن أسير عليها.
عملت بالتدريس وأصبحت أستاذا جامعيا لتنال الحرية كاملة. ألا تؤثر أفكارك على عملك إن لم تروق للبعض؟
هذا غير موجود بالمغرب، الأستاذ الجامعي لا يمكن حدوث هذا معه على الإطلاق. لا أحد في يوم من الأيام قال لي حرفا واحدا. نحن في المغرب لدينا تقاليد راسخة بأن كيفية تدريس الأستاذ هو اختياره الشخصي وشيء علني. وأظن أن هذا الازدهار الذي تعرفه الثقافة المغربية يرجع إلى كون حرية التعبير متوفرة بشكل عام وجيد. فأنا لا أعرف مثقفا مغربيا يعاني من المنع في التعبير. حتى بعض النماذج التي تعرضت في الثمانينيات والتسعينيات كانت لها ظروف خاصة واعتبارات بعيدة عن القانون الذي نعمل به. فكل من يكتب له مسئولية علمية وأخلاقية يعمل وفقا لها ولا أحد يجادله فيها. كما أنني حيث لا أشعر بالحرية ابتعد.
قلت عن نوبل من قبل أنها جائزة سياسية. هل مازالت رؤيتك قائمة؟ خاصة بعد فوز بوب ديلا بهام عام 2016.
نعم؛ في السنوات الأخيرة صارت نوبل جائزة سياسية. ولهذا منحت لأسماء ليست هي النماذج العليا في الأدب الموجود الآن بالعالم. وللأسف العرب هم ضحايا هذا التوجه السياسي. لأن الجائزة لا تعطى للشخص وحده وإنما لثقافة ولغة. وأتمنى في المستقبل أن يتم تجاوز ذلك التوجه الذي ساد منذ سنوات. أما بوب ديلان؛ فأنا كنت أحبه في السبعينيات، وهو مغنٍ كبير، لكني لم أقتنع بهذه الجائزة، أعتبر هذا غير مصيب. خاصة أن الأدب في العالم حاليا مهدد، ومن الأجدى لهذه الجوائز – وفي مقدمتها نوبل – أن تدعم مكانته في حياتنا، لكنها لم تبقى وفية للمبادئ التي انشأت لها.
ما موقع الجوائز بالنسبة لك؟
لم أتقدم في حياتي لأي جائزة رغم أني حصلت على العديد. لأنني أؤمن بأن الجائزة لا يتقدم إليها الكاتب، وإنما تلك مسألة تهم المؤسسات التي تمنح الجائزة.
ما الجديد المنتظر عندك خلال هذه الفترة؟
لدي ورشة عمل. فأنا دائما لا أشتغل على عمل واحد وإنما أعمال متعددة. هذه الأيام تصدر أعمالي النثرية في خمسة مجلدات، تضم أغلب ما كتبته نثريا منذ 1981 حتى اليوم. وهناك "أندلس الشعراء" الذي عملت عليه لسنوات طويلة، وهو أنطولوجيا من نوع خاص جدا عن الأندلس من خلال شعرائها وكتابها رجالا ونساء وبتعدد، أتمنى أن يصدر هذا العام، حيث أحببت له أن يكون في طباعة تليق بالأندلس. هناك أيضا ديوان "كتاب الحب" الذي يصدر هذه الأيام بالإسبانية بعد 3 دواوين صدرت هناك. وديوان "هبة الفراغ" الذي سيصدر في تركيا. كما سيصدر ديوان "الهايكو" باليابانية والعربية والفرنسية في طوكيو، لأنني تم اختياري مؤخرا مستشارا شرفيا للمركز العالمي للشعر في طوكيو، وبهذه المناسبة الجمعية العالمية للهايكو 

يهيئون هذا العمل بقصائد الهايكو التي أنشرها فقط باليابانية. وفي مصر؛ هناك ديوان مختارات شعرية سيصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire