حاوره : حسن الوزاني
يملك الشاعر محمد بنيس قدرة حقيقية على إثارة الأسئلة العميقة، وعلى بلورة أجوبتها بعمق أيضا. ولذلك، سعت تجربته دائما إلى تأسيس شعرية عالمة، تمتلك وعيا وجوديا ونقديا ونظريا بذاتها وبحدود احتدامها وتآلفها مع الآخر، ومع العالم، ومع الأشياء. ولذلك أيضا، اختار محمد بنيس أن تكون الجرأةُ بابَه الأولَ والأخيرَ لتأسيس كتابته وتفكيره في الأسئلة الكبرى والعميقة التي تطرحها الثقافات المغربية والعربية والإنسانية. كتابتُه تسعى باستمرار إلى عبور ضفاف شعرية ومعرفية إنسانية جديدة ومختلفة.
• أصدرتَ مجموعتك الأولى "ما قبل الكلام" في نهاية الستينيات (1969)، وانتميتَ لجيل السبعينيات، ونسجتَ حضورك بشكل مستمر وأعمق خلال اللحظات اللاحقة. ما الذي منحك إياه هذا السفر ؟
- أُحس، وأنا أنظر الآن إلى هذا السفر، أن مدته كانت ليلة واحدة. وأحيانا أُحس وكأنه تطلّب أعمارا. أنظر إليه بعد أكثر من ثلاثين سنة على اللحظة الأولى ، التي وشمتَها أنتَ بصدور ديوان ما قبل الكلام. علمني هذا السفر أن للزمن معنيين : الزمن الأفقي، وأسميه بالزمن الخطي، الذي عشتُه وخطوتُ فيه منذ نهاية الستينيات حتى الآن، بما يعنيه من تقاطعات مع الحقل الثقافي المغربي والقصيدة المغربية، أو عربيا أو إنسانياً. ثم هناك زمن آخر لا نراه، وهو الزمن العمودي الذي عشتُه داخل القصيدة ومع القصيدة، أعني الأفعال الشعرية المتعددة التي كنتُ من خلالها، كل مرة، أحاول البدء من جديد في البحث عن القصيدة.
هذان الزمنان معا لا ينفصل أولهما عن الثاني. ولكن، أعتقد أيضا أن زمن القصيدة وما عشتُه في القصيدة يكاد يكون مستقلا بذاته، ويكاد يكون سريا ومكتوماً لا نعثر عليه إلا في آثار هذا الزمن على القصيدة ذاتها. بمعنى كيف انتقلت القصيدة من حال إلى حال، وكيف كانت في البداية تنظر إلى اللغة وإلى الصورة، وإلى ما هو خارج القصيدة، وإلى الزمن، وإلى العالم، وإلى الإنسان بطبيعة الحال، ثم كيف كانت كل مرة تصطدم بما يجعلها تعيد النظر في هذه الطريقة التي كانت لها مع ذاتها أو مع خارجها، من أجل أن تغامر من جديد في أفق كان دائما بالنسبة لي مجهولاً. أو باختصار، كيف تنظر إلى الجمال والحرية، المعبرين عن مغامرة القصيدة الحديثة.
إذا قلتُ شيئاً بخصوص هذا السفر، فربما سيكون هو أنه لا يمكن أن نقيس السفر، عمرَ الشعر والإبداع، أو عمرَ شاعر، بالزمن الخطي. بل فقط بهذا الزمن، الزمن العمودي، أي هذا البعد العميق لما يجعل من القصيدة قصيدةً أو من العمل الأدبي عملاً أدبياً. هذا الزمن العمودي كان زمن اختبارات، كانت القصيدة فيها دائماً تتحدى نفسها، باحثةً عن كيف يمكنها أن تنتقل إلى خبرة شعرية وكيانية في الآن ذاته. بمعنى أنني ربما أكون في هذه المرحلة عشتُ مع هذه القصيدة أسئلةَ الشعر المغربي، وحاولت وفي نفس الوقت، أن أجعلَ من أسئلتي جزءا من الأسئلة المطروحة على الشعر عربياً وإنسانياً.
لم أتعلم من سفر هذه المرحلة دائما الطريقَ الواضحَ في كتابة القصيدة ولا أن أتفادى نتائجَ المغامرة التي هي دائما اندماجٌ في المجهول واعتبارُه الطريق الوحيد الممكن لكتابة قصيدة تبحث عن ذاتها بما هي به متفردة. ولا أعتقد أن هذه الحياة كانت حياةَ من يملك أسرارَ القصيدة. بل هي، بالأحرى، حياة من يكتشف كل لحظة أسرارَ هذه القصيدة، وأيضاً عذابات هذه الأسرار، وما يمكن أن يصطدم به في القصيدة وخارجها. أي في تصوره للقصيدة الحديثة وفي القيم الاجتماعية التي تحيط بالقصيدة. هذا كله يجعلني باستمرار أنظر بريبة لما وصلت إليه القصيدة، ولما أنا دائماً منخرطٌ فيه، في حياة أجدُها دائما تبتعد أحياناً ثم تقترب، ولكنني أقاوم حتى أواصل السفر فيها ومن أجلها.
• لنبق، إذن، في مجموعتك "ما قبل الكلام". إلى أي حد استطاعت هذه المجموعة أن تخترقَ بنية "السقوط والانتظار" التي حكمت المتن الشعري لجيل الستينيات بالمغرب، حسب ما أثبتتَه في بحثك "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب"؟ وأطرح هذا السؤال بمنطق التساؤل عن حدود إمكانية اختراق تجربة شعرية ما للمتن الشعري العام المساوق لها.
- ما قبل الكلام هو ديواني الأول، قصائد أولى كتبتُها بين 1966 و 1969، كاستجابة لتورطي في حب الشعر وجمالية القصيدة. لكنني في هذه المرحلة، لم أكن على وعي بكثير من القضايا التي تعيشُها القصيدةُ، سواء المغربية أو العربية. فضلاً عن ذلك، يبدو لي أن القصيدةَ المغربيةَ المعاصرة بدأت، تقريبا، في هذه المرحلة. نلاحظ ذلك مع شعراء الستينيات الأساسيين، وهم أحمد المجاطي، ومحمد الخمار الكنوني، ومحمد السرغيني، وعبد الكريم الطبال، ومحمد الميموني، بالإضافة إلى أحمد صبري ، وأحمد الجوماري. كان أغلب هؤلاء الشعراء يكتبون قصائد تحترم نمط البيت القديم إلى حدود أواسط الستينيات. كما كانوا ينشرون هذه القصائد في مجلات مغربية مثل مجلة "دعوة الحق"، ابتداء من مرحلة الاستقلال، ونشر بعضُهم، مثل عبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني (الذي كان ينشر باسم محمد نسيم، الشاعر المصري)، قصائد ذات طابع رومانسي في مرحلة ما قبل الاستقلال. ولم يبدأ هؤلاء الشعراء بكتابة قصيدة معاصرة والاهتمام بها إلا في أواسط الستينيات.
إذن، لم يكن مفهوم بنية السقوط والانتظار واضحاً في هذه المرحلة، حتى في هذه القصيدة المعاصرة. ولذلك، فقد كنتُ اشتغلتُ في رسالتي عن الشعر المغربي المعاصر من أواسط الستينيات إلى سنة 1975. وفي هذه المرحلة، تحددت البنيةُ التي اعتبرتها بنية السقوط والانتظار. بمعنى، أنني عندما كنت أكتب قصيدتي لم تكن القصيدة المغربية المعاصرة حاضرةً، سواء في الساحة الثقافية أو في الذخيرة الشعرية التي كان من الممكن أن أعتمدها في كتابتي. أنا بالعكس، كنت موزعاً بين مجموعة من الشعراء. و من أهم الشعراء العرب الذين واكبتهم بدر شاكر السياب، الذي كان أول شاعر اكتشفته وجعلت من شعره ديواني المقدس، وخليل حاوي، الذي كنتُ أنظر إلى عالمه الشعري ولغته بلذة خاصة، أو صلاح عبد الصبور الذي كنتُ أحياناً أرى أنه يمكن أن يبحثَ عن قصيدته هو، أو أدونيس الذي كان آخر من تعرفت عليهم من هذه الفئة، وأصبح الفاتح لطريق الأسرار الشعرية. ولكن بالتزامن مع ذلك، كنت منفتحاً على الشعر الأوربي والأمريكي. وبالتالي كانت انشغالاتي على مستوى الكتابة الشعرية خارجَ الاهتمام ببنية السقوط والانتظار وخارج مواجهتها. أظن أن هذه المرحلة كانت بالنسبة لي مرحلة قصائد. وربما كان أهمها قصيدة "آخر مذكرات المعتمد بن عباد" التي أَعتبرها قصيدة تطلبت مني مجهودا شعريا وثقافيا. وهي لا تدخل في هذا السياق العام، لأن هذه المرحلة الأولى بالنسبة لي هي مرحلة الرومانسية الحالمة التي يمكن أن تفضي لنوع من الصوفية الأولى.
• شبَّه الشاعر المغربي عبد الله زريقة الوضعَ الشعري بالمغرب خلال السبعينيات، بغرفة مغلقة يملؤها الصراخ. في مجموعاتك "شيءٌ عن الاضطهاد والفرح" (1972)، و"وجهٌ متوهج عبر امتداد الزمن" (1974)، و"في اتجاه صوتك العمودي" (1980)، يحضر شيء من الصراخ ذاته، بشكل مختلف، وباشتغال جمالي أكبر بالطبع. ولكن، ألم يكن واردا أن تكتب "مواسم الشرق"، أو "ورقة البهاء"، أو "هبة الفراغ" خلال السبعينيات نفسها ؟
- أظن أن الدواوين الثلاثة (شيء عن الاضطهاد والفرح، وجه متوهج عبر امتداد الزمن، في اتجاه صوتك العمودي) يمكن أن تكون شبه ديوان واحد. مع حدود من الاختلاف بينها. فيما يخص ديوان "شيء عن الاضطهاد والفرح"، كان تجربةَ انتقال نفسي وشعري أيضاً. كنت أخذتُ أشعر به منذ نهاية "ما قبل الكلام"، أي كيف يمكن أن أرى المجتمعَ والتاريخَ والمصيرَ الجماعي كجزء من مشروع القصيدة. كان هذا شيئاً بديهياً بحكم واقع الشعر العربي آنذاك، في مرحلة تزامنت مع قيام حركة يسارية عربية في السياسة وفي المجتمع وفي الأدب، وفي مقدمته الشعر بطبيعة الحال، ترُدُّ على واقع الهزيمة التي عاشها العرب في 1967. وكان الجواب على سؤال "كيف يمكن أن تكون القصيدة ؟" متعددًا. كنت آنذاك طالباً في الجامعة وقريبا جداً من اليسار ، وكنتُ أيضا متعاطفا مع الحركة الماركسية العالمية ومع مجموعة من الشعراء في مقدمتهم، مثلا، بابلو نيرودا وفيدريكو غارسيا لوركا. جعلني هذا الشرط الثقافي والاجتماعي والتاريخي العام أُومن بأن أكتب " قصيدة مضادة" كما هو الأمر بالنسبة لـ"وجه متوهج عبر امتداد الزمن"، أي كنت واعيا بأنني أكتب شيئًا مضاداً للشعر، دون أن أعرفَ بالضبط ماذا أكتب، ولكنني كنت اعرفُ انه سلب لما هو معيار شعري.
إن ما تمت تسميته بالصراخ، أسميه أنا بالنشيد. لقد كان نشيداً بصوت جماعي، أو بالأحرى، نشيداً للصوت الجماعي. وقد لاحظتُ في بداية السبعينيات أن هذه القصيدة التي أكتبها في مأزق، لأنها لا تستجيب لبحث جمالي استثنائي، يفتح لي أفقاً لم أكن أعرفُه. وفي الوقت ذاته، كنتُ أحس أن وجود خطاب شعري نقدي وثوري أيضاً، يجب أن يسلك مساراً آخر. كنت في هذا النقد لهذه القصيدة متابِعا لفكر نقدي وجمالي، فرنسي، مرتبطٍ بالحركة البنيوية وبتيارات المرحلة التي تبلورتْ أفكارُها في فرنسا على الخصوص، وهي التي تجعل من اللغة حقلا لكل ممارسة كتابية نقدية ومضادة. وبالتالي، فإنني اعتبرتُ الكتابةَ فعلاً ثورياً ضمن الفعل الاجتماعي الواسع، عندما تتحول إلى فعل مغير داخل ذاتها أولاً، لكي تكون مغيرة في الأنساق الأخرى. ومن ثم، فقد جاءت قصائد "مواسم الشرق"، مختلفة بشكل نهائي عن هذه المرحلة الثانية، التي كانت احتلت فيها رغبة النشيد الجماعي مكان الشعري.
لقد بدأتُ آنذاك أتأمل وأقوم بنقد هذه التجربة بعنف ضد نفسي في اتجاهين. من جهة أولى، كنتُ مقتنعاً تمام الاقتناع بأن هذه التجربة كان لا بد أن أقوم بها، إذ لم يكن لدي خيار الانتقال إلى وعي شعري مختلف دون أن أمرَّ من هذه التجربة، سواء في العلاقة مع اللغة، أو مع الصورة، أو مع المرجعية، أو مع الدلالة. ومن جهة ثانية، كان لابد أن انتقل منها إلى شيء آخر أجهله، لا أعرفُه. وهذا ما يجعلني أعود إلى ما ذكرتهُ في البداية عن المجهول. إذ أنني لم أكن أعرف القصيدةَ، ولكنني كنت دائماً مستعداً لأغامر في اتجاهها دون أن يكون لدي شرط مسبق بأن تكون ناجحة أو غير ناجحة، رغم أنني أعتبر هذه القصيدة، التي غنَّت باسم الجماعي، وردةً. وردة لهذا الزمن. أُعطِيتْ لي كي أنطق بهذه الـ"لا" الضرورية لميلاد بحث شعري أو ميلاد قصيدة.
لا أعتقد، إذن، أن هذه المرحلة كانت غرفةً مغلقة. لقد كانت رحيلاً في الأدغال والكهوف على السواء للدخول في اتجاهات متعددة وفي تجارب مفاجئة، وفي حركيةٍ مدهشةٍ مع الشعر، ومع المعرفة الشعرية، ومع الثقافةِ، ومع الإبداع والفنون. وهذا ما يتركني أنظرُ دائما إلى هذه المرحلة كمرحلة مختَبر إيجابية جداً على مستوى العمل من أجل القصيدة، ولكن ليس على مستوى القصيدة بحد ذاتها. دائما أعود للتأمل و للتساؤل.كل مرة أجد نفسي غيرَ نادم على ما كتبت. بل ما يهمني هو أن أستمر في ما أكتب بنفس تلقائية الاستجابة لنداء الكتابة. وهذا بالنسبة لي هو، ربما، ما حررني من مجموعة من التقاليد الشعرية، وما قيدني، أيضا، بمغامراتٍ شعريةٍ، تبدو الآن، بعد ثلاثين سنة، وكأنها تبحث دائماً حيث لا تعرف أن هناك أهوالا تنتظرها بمجرد الانعطافة الأولى.
ومع كل ذلك، فأنا أنظر إلى السبعينيات في المغرب كفترة إبداعيةٍ خلاقة، كانت لها القدرة الكبرى للدفع بالوعي الشعري نحو مواقع الصدمة. لو أن الحركة الشعرية المغربية بالعربية لزمت مكانها اللاشعري وظلت تشتغل بنفس المفهوم الذي كان يؤسسها آنذاك، لبقيت تخشى المغامرة والمفاجأة. هذه الفترة أعطت لكل الشعراء تقريباً فرصةَ الخروجِ إلى قصيدة أخرى. من هنا، كانت إيجابياتها. وربما هي التي، تدل، برأيي، على أن جيلَ السبعينيات كان قابلا للمخاطرة حتى لو كان يكتب قصيدة مضادة للشعر، بعكس شعراء الستينيات الذين كانوا يرفضون المخاطرة، ولا يكتبون إلا ما كانوا يعتبرونه ضمانةً لنوع من الشعرية.
• هل يمكن الحديث، إذن، عن تداخل الزمنيين الخطي والعمودي اللذين أثرتَهما، خلال مرحلة السبعينيات ؟
- بالتأكيد. إن هذه المرحلة هي مرحلةُ تعلُّمٍ كبرى، ومرحلةُ أسفار مضاعفة من أجل القصيدة، وفي اتجاه حرية الشاعر الذي يكتب بدون شروط المؤسسة الأدبية، أوفي حمايتها. لقد كان الشعراءُ السابقون يعانون من هذه الحياة القاسية دون أن يكونوا يجرؤون على الكلام. ونلاحظ الآن، أن هناك خطابا أخر، في التسعينيات مثلا، لم نقم بعد بتأمله. وربما يكون السبب هو أننا، في المغرب، نقطع مراحل من غير أن نعي دلالتها، وكأن الزمن لم يكن، وكأن ما كُتِب لم يكن. وبالتالي، هو ما يجعلنا لا نناقش أو لا نتأمل ما كان موجودا.
إن الزمن الخطي، الذي أتحدثُ عنه بالنسبة لهذه المرحلة، كان هو معرفتي الأوسع بالشعر العربي وبالشعر الأوربي، وعلاقتي المباشرة بمجموعة من الشعراء العرب الأساسيين. ويمكن أن أقول أن هذه المرحلة هي المرحلة العربية لعملي الشعري. فهي التي نشرتُ خلالها بشكل مكثف في مجلة مواقف، وشاركتُ في لقاءات عربية، وهي المرحلة التي امتزجتْ خلالها كتابتي الشعرية بالاشتغال على مجلة الثقافة الجديدة، أو على أطروحتي عن الشعر المغربي المعاصر. هي كذلك مرحلة مسؤوليتي في المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب وانكبابي على نشر دواوين أصدقائي. ومن هنا يكون الزمن الخطي حاضرا.
لكن هذا الزمن امتزج بزمن عمودي، يتمثل في الحياة الداخلية للقصيدة. هذه المرحلة هي أيضا مرحلة كتابة قصائد، كنت أنظر إليها بنوع من الشك، وبعدم التنازل عنها. زمن البحث والأسئلة. حيث إن قصائد مواسم الشرق، كُتبت ما بين 1975 و 1982، (تاريخ كتابة مسكن لدكنة الصباح التي يمكن أن تشكل ديواناً مستقلاً فيما هي وداع لقصيدة سابقة) . غير أنني لم أكن أنشر هذه القصائد ولا ما قبلها إلا نادراً. لهذا وقع التباسٌ ما، حيث إن قصائدي، التي كتبتها سنة 1973 لم تُنشر إلا في سنة 1980، ضمن ديوان في اتجاه صوتك العمودي. وكان ضروريا أن تنشر، لأن في مجموعة منها بحثاً سيظهر بصيغة أخرى في مواسم الشرق المكتوبة بدورها في السبعينيات كما أسلفت.
لهذا أنظر إلى هذا الزمن العمودي في السبعينيات كبعد أساسي لكتابة القصيدة، قصيدتي، ولتعلُّمٍ متعدد الأبعاد والمعارف. في كل ذلك كانت الحياة الاجتماعية و الثقافية والسياسية حاضرةً، باستثناء أن تكون حاضرةً كانعكاس، كان من قبلُ يختزل من قبل القصيدةَ والكتابةَ. لقد كان الزمن العمودي، إذن، يحفر مجراه شيئاً فشيئاً، في الطبقات السفلية، رائياً ومواجهاً. كنت أحس آنذاك أن القصيدةَ تنقلني إلى عالم آخر، مجهولٍ تماماً. هي التي علمتني أسرار المجاهدة، وهي التي منحتني أيضا معارفَ تزودت بها في السفر مع القصيدة إلى القصيدة.
• شكلت، إذن، مجموعاتُك الصادرة ابتداء من سنة 1986 (مواسم الشرق، ورقة البهاء، هبة الفراغ، كتاب الحب، المكان الوثني،ثم أخيرا نهر بين جنازتين..) اختراقاً لتجربتك الشخصية. هل يقوم هذا الاختراق على سعي كتابتك إلى محو ذاتها ؟
- مفهوم "المحو"، الذي توصلتُ إلى صياغته مع ديوان ورقة البهاء، لم أعثر عليه في كتاب نظري أو في دراسة، بل عثرتُ عليه في القصيدة، وفي الطريقة التي اشتغلتُ عليها، أي في الزمن العمودي للقصيدة. من هنا أريد أن أعبر عن موقفي من رأي شائع. كثيرا ما أقرأ أن الثقافةَ النظريةَ للشاعر هي التي تملي عليه كتابةَ قصيدته. ويمكن أن أقول، بدون التباس، بأن قصيدتي هي التي كانت تُملي علي التأملات النظرية.
إن انتباهي للقصيدة، في بعض الحالات، أو للأسئلة التي تُطرَح علي بعد كتابة القصيدة، أو لما يمكن أن يواجهني به قارئٌ لقصيدتي أو أن ينبهني إلى ما لم أنتبه إليه وأنا أكتب القصيدة، هو عادة ما كان يدفعني، ويدفعني باستمرار، إلى تجديد معرفتي بالقصيدة. وهذا أمر مناقضٌ تماما لما أسمعه وأقرأه. ثمة ما يبرر هذا الموقف. أولا، هناك من يعتقد أن الفكرَ النظري معارضٌ لكتابة القصيدة. وأنا لا أعتبر هذا الرأي صحيحاً. بالعكس، فأغلب الشعراء الأساسيين في العالم، كانوا يشتغلون على قضايا نظرية، وهي موجِّهة لقراءتنا، أو على الأقل لمعرفة كيف كان يفكر شاعر في قضايا شعرية. ثانياً، إن القصيدة ليست ممارسة نظرية بالسلب، بل هي معرفة. وهذا هو السرّي، وهو ما يشجعني على أن أتشبثَ بخلاصات كنت بدأتُ في القبض عليها منذ المراحل الأولى، ثم لازمتني أو أصبحت واضحةً، مثل مفهوم "كتابة المحو".
و لا أجد، وأنا الآن مشرف على المرحلة الأخيرة من إنجاز أعمالي الشعرية في ديوان، صياغة لعلاقتي بالكتابة أدقَّ من هذه الصيغة.كلما تأملتُ، تبيَّن أن حياتي كانت هي هذه الممارسة، ممارسة الحنـو، وكأنها كتابة محو لما هو ذاتي، ومحو لما هو لغيري. كتابة المحو فعل للكتابة، وله علاقة بمفهوم ماديةِ الكتابة، وبالممارسة التي تتم داخل القصيدة وداخل اللغة. هذا كله يجعلني أنصت أكثر فأكثر للقصيدة، ولمغامرة القصيدة.
• تُقيم مجموعة نهر بين جنازتين عند الحدود العميقة للعالم وللحياة وللأشياء. تفعل ذلك بكثافة لغوية أقل وبكثير من البياض. ما الذي يستطيع أن يمنحه البياضُ للنص؟
- البياضُ كتابةٌ ثانية، وهي كتابةٌ محجوبة. وما قمتُ به في نهر بين جنازتين هو نفسه ما قمت به منذ فترة طويلة، ومنذ الدواوين الأولى، و هو غيرُه في الوقت نفسِه. لقد جعلتني هذه المراحل الأولى أقترب من مفهوم الكتابة. مفهومُ الكتابة يختلف نهائياً عن مفهوم النظم، أو عن مفهوم الارتجال. إذ أن الكتابةَ لا تتم إلا بيد وقلم وحبر على صفحة بيضاء. فالاشتغال على الصفحة هو الذي جعلني أشتغل على البياض. لكن، هناك عنصر آخر يبدو لي مفيداً. ويرجع، من جهة، إلى اهتمامي الكبير بالفنون التشكيلية وبالفضاء داخل اللوحة، ومن جهة أخرى، إلى اهتمامي بالتجربة الأندلسية في الكتابة التشجيرية الشعرية، التي هي تجربة العين وبلاغة البصري. وقد عثرتُ على تعبير عنها بشكل عميق لدى ملارميه، الذي كان أكبر ما استفدتُه منه هو كتابته لقصيدة "ضرية نرد" التي تظل قصيدةً مختـرقة للحدود، أو قصيدة هوائية كما يسميها البعض.
منذ قصائدي الأولى ، كنت لا أكتب السوادَ فقط، ولكن كنت أكتب البياضَ أيضًا. وأنا أجد صعوبةً كبرى في نشر قصائدي في المجلات وفي الصحف، لأنه عادة ما لا يتم الانتباه عربيا إلى هذا العنصر. وبالنسبة لي، إذا لم يتم احترامُ طريقة تركيب الفضاء، أو البياض، في القصيدة التي أكتبُها، فإن القصيدةَ تموت. ثمة العديد من الأفعال الشعرية التي لا تُرى في المرة الأولى، لأننا، عربياً، ما زلنا ناسين تاريخاً للقصيدة وللعين في الآن ذاته، نفضل ما هو سماعي على ما هو بصري، دون أن نربط بينهما. وبالطبع، هذا مشكلٌ، وهو قائمٌ حتى في الثقافة الغربية. ما أود الإشارةَ إليه، هو أن البياضَ الذي أحفره على الصفحة لا يوجد، كما هو الأمر بالضبط بالنسبة للأسْود، إلا أثناء الكتابة، لا يوجد قبلها ولا بعدها. لذلك، فصفحات القصائد لا تتشابه، ولا يمكن أن تتشابه، بين ديوان وديوان، بين قصيدة وقصيدة، وبين صفحة وصفحة. أكاد أقول إن هذا الجانب يستحوذ علي لدرجة أنني دائما أحلمُ بتوفري على إمكانيات أقوى من أجل أن أُجسِّد بعض القصائد، كما أريد لها أن تكون في فضاء الصفحة.
كانت هذه التجربة، تجربةُ البياض، حفرُ البياض، من بين ما اكتشفتُه وأنا أبحث عن القصيدة ، ربما خارج المتعارف عليه. لقد كنتُ دائما أعتبر نفسي أبحث في مكان آخر، في شيء شخصي يفاجئني، ويصاحبني. هو ذا أيضاً الزمن العمودي وظهوره في الكتابة.
• بموازاة مع هذا الهاجس، على مستوى الاشتغال على البياض، وعلى فضاء النص عموما، كيف يستطيع محمد بنيس أن يحفظ للنص بلاغتَه تلك عند الانتقال إلى مرحلة الإلقاء الشعري ؟
- منذ زمن طويل وأنا أفكر في فكرة كنت أعتبرها مجنونةً، ولكنها ليست كذلك على الإطلاق. والفكرة هي أن القصيدةَ بالنسبة لي متعددةُ الأصوات، ويجب أن تُقرأ بعدة أصوات. لا يتعلق الأمر هنا بتاتاً بالقصيدة المسرحية. تعددُ الأصوات هو بمعنى هذا الصوت الذي لا يتكرر داخل القصيدة. وأطرح السؤال مراراً على نفسي : "ما هو هذا الصوت ؟ ". أجد نفسي منقاداً إلى تعدد الصوت مع تعدد المكان، ومع تعدد الأبيض والأسود. وأظن أنه يمكن لي أن أقدم تجربةً جديدة إذا توفرت الإمكانيات الضرورية. لقد سبق لي أن تحدثتُ مع المخرج المسرحي الصديق عبد الواحد عوزري بشأن إشراك شخص آخر في قراءة بعض المقاطع، ولكن تبين لنا أن الأمرَ يفترض أشخاصاً محترفين وتدريباً طويلا على هذه التجربة، إذ أن تعددَ الأصوات يقتضي الحرصَ ذاتَه الذي يفرضُه الاشتغالُ على البياض. ولذلك، أفضل في كثير من الأحيان قراءةَ المقاطع ذات الصوت الواحد، وأتجنب الأخرى ذات الأصوات المتعددة. لربما تكون هناك إمكانيات في المستقبل لاختبار هذا الصوت المتعدد. وأنا لا أعتبره مناقضاً للشعر، بل لدي انطباع بأنه يمكن أن يَفتح، على الأقل لما أكتبه أنا، أفقا يبرز طبيعةَ القصيدة الغنائية المتعددة الأصوات، كما أكتبها في الصفحة الواحدة، وأنا أحفر البياض، متعدداً ومشكّلاً لأصوات القصيدة.
• حققتْ تجربتُك الشعرية انتماءها المغربي، سواء من خلال ما تسميه الأدبيات النقدية بالتجربة الكاليغرافية، والقائمة خصوصاً على توظيف الخط المغربي، أومن خلال فضاءات النص، أو معجمه. وهو الأمر الذي يتم اعتباره، أحياناً، مصدرا لمستوى من الاحتدام بين هذا الانتماء وانتمائها للبعد الإنساني . كيف تتصور ذلك ؟
- لا أجدُ أي تعارض بين ما هو مغربي وما هو كوني فيما أكتب. كما أنني لا أجد أي تعارض بين ما هو فرنسي في قصيدة معينة لبودلير وبين بعدها الإنساني. أنا لا أفهم أحياناً لماذا نقول للشاعر المغربي "أين يكمن تميزك كشاعر مغربي ؟" . لماذا نخص الشاعرَ المغربي، أو التونسي، أوالجزائري بهذا السؤال، ولا نطرحه على الشاعر العراقي، أو السوري، أو غيره ؟ بما أنني جزء من الشعر العربي، إذن، لا يمكن أن أكون إلا كفرد، بدون أن يتمَّ النظرُ إلي كمغربي. أما استعمالي لما هو مغربي، فذلك جزء مني. من لا يستوعب هذا العمل، كأنه يقول لي : "اقطع يدك، واكتب". فبأي يد سأكتب ؟ أنا أكتب من خلال أشكال، من خلال معجم، ، من خلال لاوعي، ومن خلال مكبوت. وهذه كلها ما تبرر الكتابة بالنسبة لي. وإن أنا ألغيتُها، فكل الكتابة لن تعني بالنسبة لي شيئاً.
ما تمت تسميته "بالتجربة الكاليغرافية" تندرج ضمن مفهوم الكتابة. المقصود إعادة اكتشاف الخط المغربي واسترجاع ملكيته في قصيدة لها المكان بقدر ما لها الزمان. قصيدةٌ للبصري والسمعي في آن، وهما معاً يعطيان الكتابةَ قوة ما عملْنا على إلغائه من تاريخ القصيدة توهماً بأنه عائق للحداثة وللقصيدة العربية الحديثة. لقد اختلفت عن نقاد لم يتبصروا ما أسعى إليه، فحصروا هذه القصيدة في الجانب الخطي، وأطلقوا عليها "التجربة الكاليغرافية" عاجزين حتى عن استعمال العربية في تسمية الخطي بالكاليغرافي. لا فصل، في هذه القصيدة، بين البياض، وتعدد الأصوات، والمكان الخطي. هي جميعاً من رحِـمٍ واحد هو الذي تأتي منه الكتابة، كما حددتها في "بيان الكتابة".
لفضاءات النص علاقة بالمحسوس. المدن، الجغرافية، الطبيعة، المنتوجات الحضارية. قصيدتي هي قصيدة تعتمد المحسوس، وهو الذي أعرفه وألمسه، عبر حياة ومتخيل. لهذا يحضر معجم خاص أيضا في القصيدة، لا أستطيع حصره كما أنني لا أتعمد إقحامه على فضاء القصيدة، الذي هو صفاء وانسجام اللغة.
لقد قرأت فعلا بعض الانتقادات من طرف بعض الشبان الذي يعتبرون، مثلا، وبغير قليل من السخرية، أن كلمة "الغنباز" هي التي يريد من خلالها بنيس أن يكتب قصيدة مغربية. أنا لا يهمني ذلك. حيث لم يكن وارداً في طريقتي (أو منهجيتي، إن شئت استعمال مصطلح يفضله فرنسيس بّونْجْ ) أن أبحث عن كلمة "الغنباز". لقد هجمتْ عليّ هذه الكلمة، كما هجمت على بدر شاكر السياب كلمة "بويب".
ذلك أمر شخصي جداً، ولا يمكن أن أُحاكَم فقط لأنني مغربي وفق هذا المنطق. الخط، الفضاء، المعجم، تسمية صامتة للذاتية. تلك طريقتي في البحث عن قصيدة حديثة، مغربية، إنسانية. لا يوجد أي تعارض بين الانتماءين، المغربي والإنساني. ما هو إنساني كامن في ما هو مغربي كلما انتقل إلى وعي جمالي حديث. لقد وجدتُ لدى بعض الشعراء من خارج العالم العربي اهتماما تأويليا لزهرة "الغنباز" في علاقتها بكتابة المحو. وقد انشدَّ آخرون إلى الفضاء الشعري أو إلى الخطي في قصيدتي. والحقيقية أنني أستغرب كيف أن شعراء، لا علاقة لهم بثقافتنا وبقضايانا الثقافية ولا يعرفون الفرق بين المغرب والمشرق، ينصتون بعشق للقصيدة التي أكتبها. ولا أحد يسألني "ما هي زهرة الغنباز ؟" أو "لماذا تكتب عن فضاء لا نعرفه؟". إنهم يدركون أن هذه الكلمة موجودة داخل الشعر، ونظام القصيدة هو وحده مولِّد دلالة كل من الفضاء والخط والمعجم.
إذا عدنا للثقافة العربية، من الجاهلية حتى الآن، لن نجد شيئاً مفروضاً على الشاعر، بما فيه عدم استعمال الخط أو الفضاء أو المعجم القريب منه. وسواء تحدثنا عن الشعر أو عن النثر، أو عن كل ما هو مكتوب، فتلك هي القاعدة. والأساسي فيها هو هل أمامنا قصيدة أم أمامنا عناصر لا علاقة لها بالانسجام داخل القصيدة. إن ما يجب أن يُطرح إذن، هو الكتابة، والانسجام، أو الصفاء، داخل الكتابة. وبالتالي يغدو السؤال هو : هل يمكن لهذه العناصر (المغربية ( أن تصبح ممنوعة لمجرد أنها عناصر مغربية مثلا، أم لأنها لا تحقق انسجاماً وصفاءً داخل القصيدة ؟. إن المعيار الأول والأخير، إذن، هو القصيدة كعمل كتابي، له رغبة في أن يجعل من الذاتي عنصراً سيِّداً في الكتابة.
• إلى جانب أعمالك الشعرية، والتأملية والنظرية في الشعر، كتبت عملا يحمل عنوان "شطحات لمنتصف النهار". إنه كتابة خاصة عن حياتك، نوع من السيرة الذاتية. في هذا الكتاب تشير إلى أن بدايات مسارك الشعري تزامنت مع اقترابك من المجانين والمجاذيب. وقد تَمَّ ذلك بالتساوق مع عشقك للغة المجنونة. ما هي حدود التوافق والاحتدام بين حريةِ هذا الجنون وديمومةِ شحنته، وبين وعيك النقدي والنظري بالتجربة الشعرية نفسها وبالجنون ذاته ؟
وجدتُ نفسي منجذباً بشكل تلقائي، منذ صباي، إلى المجاذيب، لأنهم يقدمون صورة أخرى لإنسان، ظل بالنسبة لي دائماً غامضاً. الغامضُ هو ما كان يقربني من هؤلاء الناس. إنه لمحيِّر أن يقضي شخصٌ عمراً كاملاً وهو يردد جملة واحدة، حكمة، أو أمثولة، لست أدري من أتى بها. هل حفظها عن السابقين عليه، أم هي شطحة من شطحاته. وفي مرحلة لاحقة، وخلال المراهقة بالضبط، وجدتُ نفسي قريباً من مجموعة من المجانين، لأنهم كانوا يعطونني فسحة الرفض. رفض العائلة، وصورة فاس كمدينة للأرستوقراطية، وقيم الانضباط والطاعة والامتثال، أي قيم النموذج والنجاح. ثورة في السلوك الشخصي، وأيضا في الرؤية إلى الإنسان
كنتُ أصاحب هؤلاء المجانين كمصاحبة لما هو هامشي، لما لا معنى له، ولحالة المفرد الذي يتم العمل على إفراده وإلغائه. وقد تعلمتُ من هؤلاء هذه الحرية. ولكن، كنت دائماً أعلم أن المجنون ليس مبدعاً. إنه يعيش فقط اللحظةَ الأولى السالبة. ولا يمكن للإبداع أن يكون محصوراً في فعل سلبي، إذ لا بد أن ينتقل إلى فعل بالإيجاب. بمعنى أنك تخرج عن أنساق، وعن قيم، من أجل أن تخلق نسقًا آخر وقيما أخرى. والكتابة فعل نقدي للقيم، بما فيها القيم الحياتية والجمالية، فعل نقدي يصدر عن طريقة الرؤية.
إن طريقة الكلام مع شخص، ومعاشرة السماء أو البحر أو الحجر، تحتاج لرؤية أخرى. فأن تحب حجراً هو ضرب من الجنون، ولكن عندما يتحول الحجرُ إلى عنصر داخل الكتابة، عندما تمنحه حياة ثانية من خلال الصورة الشعرية، لا يصبح الحجرُ هنا حجراً، بل يدخل في علاقة جديدة مع المادة، تحددها طريقتُك في الرؤية إليها، ابتغاء منحها حياة ثانية داخل القصيدة. كنتُ واعياً بهذه الحدود. ورغم أن سلوكاتي كانت في كثير من الأحيان سلوكات مجنون، تنبني على الرفض، فقد كنتُ في النهاية أقوم بالاشتغال الإيجابي على هذا الجنون. أقصد بالسلوكات، مثلا، أن أقضي أياماً في القراءة، أو في التأمل، أو في التفكير بدون أن أنتبه لأي شخص. وأعتبرُ ذلك نوعاً من الرياضة الروحية أو الرياضة الشعرية بهدف تعويد جسمي على التعامل مع العالم الداخلي والخارجي، ومع الكلمات والأصوات. كان ذلك يتطلب مني ثقافةً لم أجدْ أبجديتَها إلا عند المجانين والمجاذيب. وهذه الثقافة تفاعلت مع ثقافة إنسانية شعرية هي التي علمتني أن السفر إلى القصيدة يتطلب المعرفة والصرامة في التعامل مع اللغة أو مع ما تخلقه اللغة في القصيدة.
• في الكتاب ذاته، تتحدث عن حياتك الدينية والداخلية. فأنت كنتَ حريصاً في طفولتك على الصلاة بالمسجد، ثم اخترتَ المواظبة على زيارته "للصمت أو للمشاهدة". هل يحكم الأمرُ ذاتُه علاقتَك الآن بسؤال الدين، أقصد الصمت والمشاهدة ؟
- أُحب دائماً أن تكون علاقتي بالمسجد علاقةَ الصمت والمشاهدة. ليس المسجد وحده، بل أماكن العبادة باختلافها، في ثقافات وأديان. ولا أستطيع أن أفسر لماذا يتحول لدي مكان العبادة إلى مقام الصمت والمشاهدة، لكنني الآن، على نحو آخر، أنظر إلى الدين كدين، في العالم، في حضارات وثقافات. منه ما هو دين سماوي (دين الكتَاب)، ومنه ما هو أديان وثنية، في آسيا على الخصوص، ثم في بعض المناطق الإفريقية. ما يدفعني للتأمل أيضاً، هو النزعةُ الدينية. النزعة الإسلامية أولا، ثم النزعة اليهودية والمسيحية، حيث يصبح الدين ذا وظائف جديدة في المجتمع، كما في السياسة والاقتصاد والثقافة، ومنها الأدب والشعر. وأنا في هذا، أشتغل بطريقتي، صامتاً ومشاهداً، دون أن أكون متكلماً دائماً في هذه القضايا. إنها تحتاج إلى تأمل وإلى مناقشة في حدود ما هو ممكن. وأظن أن ما يُسمى، الآن، بالأدب الإسلامي يحتاج إلى قراءة نقدية، حمايةً للشعر، وحمايةً للشعر العربي والأدب العربي. مسألة الأدب (أوالشعر) عندما تنتحل الصفة الدينية تنقلب ضد الأدب (وضد الشعر). أما سؤال الدين فهو أوسع، وللقصيدة عنايتها، في الصمت والمشاهدة.
• بالتحاقك بالجامعة، صار كارل ماركس صديقاً لك في الأدب والحياة. كما كتبتَ في "شطحات لمنتصف النهار". هل مازال كذلك ؟
- كارل ماركس فيلسوف كبير. بدأت صداقتي معه في الجامعة، حيث كنت أقترب منه في سؤال الأدب والحياة. ولكنني لم أعد لقراءته منذ سنوات. وربما الأسئلة المطروحة علي اليوم ليست هي الأسئلة التي كانت مطروحة علي من قبل. لم أتعامل مع كارل ماركس، في يوم من الأيام، كخطاب غير قابل لعدم الاتفاق، أو كخطاب مُغلق. بمعنى أنني كنت بيني وبين نفسي أفتح بعض الحوارات مع ماركس في الحدود التي أستطيع أن أفتح حواراً معه فيها، وفي الوقتِ نفسِه، كنت متحرراً من الجوانب التي تقول بها الماركسية، وأنا لا ألتزم بها، ولا أقتنع. من ثم فإن علاقتي به كانت هي علاقة مع فيلسوف كبير، أعطى نسقاً فلسفياً جديداً للتاريخ الإنساني.
كنتُ، وأنا ما أزال في الجامعة، أستغرب للطريقة التي يتعامل بها بعض المثقفين الماركسيين العرب مع ماركس. وقد كتبتُ بهذا الخصوص تأملاً، نشر في مجلة "الطريق"، استجابةً لرغبة الصديق المرحوم حسين مروة، الذي كان طلب مني، شخصياً، أن أكتب عن علاقتي بالماركسية، فكتبتُ كلمة حرة. لا أنسى تلك الحرية التي كانت لحسين مروة، وذلك التقدير الذي كان يحتفظ به في علاقتي معه، وهو يعلم أنني ماركسي ثقافياً، ولست ماركسياً سياسياً ولا حزبياً. وهذا يعني أنني لم أنْتم في حياتي للماركسية كتنظيم حزبي، ولا لأي تنظيم سياسي. وهو أمر أستغربُ له عندما أنظر إلى الأعمال التي حاولتُ القيام بها ابتداء من السبعينيات. ولذلك، فعلاقتي بماركس كانت هي مصاحبة فيلسوف كبير، أنظر إليه كما كنت أنظر لأرسطو، وكما أنظر لديكارت، أو هيغل. باختلاف أنه، في المرة الأولى، كان يقدم لي إحساساً بأن العالم يمكن أن يصبح كما هو بشَّرَ به مع إنجلز، فإذا بهذا العالم يختار وجهةً أخرى. علاقتي بماركس هي علاقةُ من لا ينسى فيلسوفاً كبيراً، ولكن لا يجعل منه البابَ الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى المعرفة الإنسانية.
• أصدرتَ سنة 1974، رفقة مثقفين آخرين، مجلة "الثقافة الجديدة". هل تشعر الآن أن مشروعها الثقافي استطاع بالفعل تجاوزَ بنية الثقافة التقليدية المساوقة لها؟ ثم هل مازال قرار منعها قائما؟
- كانت مجلة الثقافة الجديدة إعلاناً عن خطاب أساسه السؤال. وذلك في وقت لم يكن فيه من الممكن أن تطرح السؤال. كنا نشعر، عبد الله راجع وأنا، بأننا لا يمكن أن نكتب قصيدة جديدة أو رأياً جديداً دون أن نخلق مجلة نستقل بها. كان إنشاء الثقافة الجديدة يصدر عن سؤال لا يتوقف وعن عدم التنازل عن السؤال. من الصعب اختزال تاريخ هذه المجلة، لكني كنت أتألم دائما للتعتيم الكبير في المغرب على دورها، وهو تعتيم يتناقض مع ما يمكن أن نلمسَه من تأثير كان لهذه المجلة في المغرب، ومع الصورة التي كانت بدأتْ تعطيها عن الثقافة المغربية خارج المغرب، سواء عربيا أو خارج العالم العربي.
في يناير 1984، بعد عشر سنوات عن الصدور واتساع التأثير، جاء أمرُ توقيف المجلة، ولم يكن هناك منع، لأن المنعَ يحتاج لمسطرة قانونية لم يستعملها وزير الداخلية آنذاك. وأنا الآن لا أهتم بهذا الموضوع، ولا أعرف هل هي ممنوعة أم لا، فلم يصدر أي توضيح بهذا الشأن لاعن وزير الداخلية ولا عن وزير الثقافة. لن أسأل أحداً ولن أضيف احتجاجاً. أنا في خضم أشياء أخرى. وفوق ذلك، أعتقد أننا عربياً، لسنا بحاجة إلى مجلة اسمها الثقافة الجديدة، ولسنا بحاجة لنكرر تجربة الثقافة الجديدة، بل نحتاج لمجلة تجيب على أسئلة هذا الزمن. علينا أن نترك الثقافة الجديدة، بهذا التوقيف الذي أعطاها دلالتَها، علامةً على مرحلة زمنية بكل ما فيها، فكرة لاختراق ما كان يستعصي اختراقه، وإقامة في المكان الذي كان مصدر
اتهام بما شاء لهم آنذاك أن يتهموا. وتظل

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire